كتب | سعيد السُبكي
لم يعُد الكذب في مُجتمعاتنا الأصلية أو خارجها سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تحول في بعض البيئات إلى “نظام قبول اجتماعي” كامل، يمنح الشرعية لمن لا يستحقها، ويصنع من الوهم مكانة، ومن الادعاء وجاهة.
لم يعُد غريبًا أن يظهر فى أوساط الجاليات المصرية فى كثير من الدول الأوروبية “دكتور” بلا شهادة، و“سفير نوايا حسنة” بلا تفويض، و“ناشط دولي” بلا أثر… والأخطر أن هؤلاء لا يعملون في الظل، بل يتحركون في العلن، يُستقبلون بالأحضان، وتُفتح لهم المنصات.
السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا يكذب هؤلاء؟
بل: لماذا نصدقهم… أو نتظاهر بالتصديق؟! . . المشهد بات واضحًا حد الفضيحة. أفراد يصنعون لأنفسهم هالات من الألقاب الرنانة، يطبعونها على بطاقاتهم، ويكررونها في كل مناسبة، ويروجون لها على منصات التواصل الإجتماعي المتنوعة حتى تتحول مع الوقت إلى “حقيقة اجتماعية” لا يجرؤ أحد على مساءلتها.

هل صمت الحرج أم نفاق أم خوف؟؟
حول هؤلاء الكذابون دائرة من الصمت المُريب: أصدقاء يعرفون الحقيقة لكنهم يبتسمون، مستضيفون يدركون الزيف لكنهم يفتحون الأبواب، ومُجتمع يفضل المُجاملة على المواجهة. هذه ليست مُجرد مجاملة… هذا تواطؤ صريح.
فحين يُمنح اللقب لمن لا يستحق، لا يكون الضرر في الكلمة فقط، بل في القيمة التي تُسلب من أصحابها الحقيقيين. الطبيب الحقيقي يتراجع أمام “دكتور مزيف”، وصاحب الخبرة يُهمش لصالح “واجهة إعلامية”، والكفاءة تُستبدل بالقدرة على الترويج الذاتي.
إنها عملية إفساد صامتة لمعايير الاستحقاق. البعض يبرر هذا الصمت بأنه “ذوق” أو “تجنب للإحراج”، لكن الحقيقة أبعد من ذلك. نحن أمام ثقافة تُقدّس الشكل على الجوهر، وتكافئ الجرأة على الكذب أكثر مما تكافئ الجهد الحقيقي. ومع كل قُبلة مُجاملة، وكل دعوة بلا تدقيق، نحن نمنح شهادة اعتماد جديدة لمحتال اجتماعي جديد.
الأخطر أن هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد لتشوه الوعي العام. حين يرى الشباب أن الطريق إلى المكانة يمر عبر الادعاء لا الإنجاز، فإننا نزرع جيلًا يتقن التمثيل أكثر مما يتقن العمل. وحين تختلط الحقيقة بالزيف، يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية.
المواجهة هنا ليست دعوة للفضيحة أو التشهير، بل لاستعادة الحد الأدنى من الصدق. أن نسأل: ما مؤهلاتك؟ أن نتحقق: من منحك هذا اللقب؟ أن نرفض: منح الشرعية لمن لا يستحقها. المشكلة ليست في شخص يدّعي… بل في مُجتمع يعرف الحقيقة… ويصفق.
إن استمرار هذا الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة في صناعة الكذب. وإذا لم نكسر هذه الحلقة، فسنجد أنفسنا يومًا في مجتمع تُدار فيه القيم بالألقاب، لا بالحقائق. وهنا، لا يعود السؤال: من الكاذب؟ بل: من الذي سمح للكذب أن يصبح مقبولًا؟
