القائمة

آداب النعي والمواساة بين رحمة الدين وقسوة السوشيال ميديا

Linda Seleem 3 أشهر مضت 0 4.2 ألف


د.ليندا سليم تكتب|

في لحظة الفقد لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج كلمات، بل إلى رحمة تُخفف عنه، وإلى قلوب تشعر دون أن تؤذيه أكثر،لكن ما نراه اليوم على مواقع التواصل يجعلنا نتساءل: هل أصبح العزاء استعراضًا للمشاعر؟ نشر صور المتوفى، كتابة تفاصيل الوفاة، الإشارة لأهله في كل منشور، وتكرار عبارات الصدمة مثل “مش مصدقة” و”كان طيب وصغير وابنهم الوحيد وراح السند،وكان مثل ابني “كلها أمور قد تبدو تعاطفًا، لكنها في الحقيقة تعيد الألم لأهله مع كل إشعار، وتفتح جرحًا لم يُغلق بعد.

أهل المتوفى لا يحتاجون إلى تذكير مستمر بالفقد، هم يعيشونه بالفعل في كل لحظة، وكل منشور يصلهم قد يكون طعنة جديدة، لذلك ليس كل ما نشعر به يجب أن يُقال، ولا كل حزن يجب أن يُنشر، المواساة الحقيقية لا تُثقل القلب، بل تُخفف عنه، تكون بكلمة صادقة خفيفة، أو دعاء في صمت، أو رسالة خاصة تحفظ كرامة الألم.

ومن الجانب الديني، علّمنا الإسلام أن نقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، لا كأية محفوظة، بل كمعنى عميق من الرضا والتسليم، كما دعانا إلى الصبر، ونهانا عن المبالغة في الحزن أو النياحة، لأن ذلك لا يردّ ميتًا ولا يخفف مصابًا، بل يزيده،لم يكن من الهدي تضخيم الفقد أو استدعاء الألم، بل كان الدعاء للميت، ومواساة أهله بكلمات قليلة صادقة.

المشكلة اليوم ليست في النعي، بل في أسلوبه، حين يتحول إلى سرد مؤلم للتفاصيل، أو إلى سباق في إظهار الحزن، أو إلى ضغط نفسي على أهل الفقيد دون قصد. وهنا يجب أن نعيد فهم معنى المواساة: كلمة بسيطة مثل “البقاء لله، ربنا يرحمه ويصبركم” قد تكون أصدق وأخف من عشرات المنشورات، دعاء صادق قد يصل أكثر من ألف عبارة، وصمت محترم قد يكون أبلغ من كلام كثير.

الحزن ليس محتوى، والموت ليس مناسبة للنشر، والمواساة ليست فيما نقوله فقط، بل في كيف نقوله، فالمصيبة تقع مرة، لكن بعض الكلمات تعيدها ألف مرة، فلنخفف لا نُثقل، ولنرحم قلوبًا فقدت، بدل أن نزيدها وجعًا.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *