كتب | سعيد السُبكي
“حين يتحول الماضي إلى عائق… يصبح إغلاقه شرطًا لبناء المستقبل”
في زمن تتسارع فيه التحديات، وتتعاظم فيه الحاجة إلى التماسك المُجتمعي خاصة هنا في الغُربة، تبدو العودة إلى فتح ملفات قديمة وكأنها فخ يُعيد إنتاج خلافات كان ينبغي أن تُدفن مع لحظتها، لكن كما يُقال : ما لا يُدرك كله لا يُترك كله.
المصلحة العُليا لأبناء الجالية المصرية في هولندا هي الأهم الآن أكثر من أي وقت مضى
استدعاء أي نوع من الصراعات ” بغض النظر عن من كان مُخطئا أو كان على صواب” خلافات مضت لا يؤدي إلا إلى إحياء جروح اندملت، ويُعرقل كل محاولة لبناء واقعٍ أكثر استقرارًا وإنصافًا.
لم يعد مقبولًا اليوم أن تستهلك الخلافات القديمة طاقة الحاضر، أو أن تتحول الذكريات السلبية إلى مُحرك لتصرفات تخرج بالأفراد أو الجماعات عن خط التسامح. فالمجتمعات الذكية — والأفراد الناضجون — يدركون أن القوة ليست في اجترار الماضي، بل في تجاوزه بوعي، وتوظيفه درسًا لا عبئًا.
الحقيقة التي تثبتها التجارب أن فتح الملفات القديمة لا يخدم أحدًا؛ بل يدفع نحو إعادة تدوير التوتر، ويفتح بابًا لنقاشات عقيمة تُعيدنا إلى نقطة الصفر. والأخطر من ذلك أنه يشتت الجهود بعيدًا عن القضايا الجوهرية التي تستحق الاهتمام.
في المُقابل، يظل خيار رأب الصدع وتغليب لغة التصالح هو النهج الأكثر نُضجًا وقدرة على إحداث تغيير حقيقي. فالتسامُح ليس مُجرد موقف عاطفي، بل استراتيجية واعية تُعيد ترتيب الأولويات وتُعطي لكل لحظة ما تستحقه من الحكمة. وهو الطريق الوحيد الذي يمنح الجميع فرصة لبدء صفحة جديدة قائمة على الاحترام المُتبادل والثقة المتبادلة.
وإذا كان هناك هدف ينبغي أن يُشكّل البوصلة التي توجه الجميع، فهو المصلحة العامة للجالية المصرية بهولندا بعيدًا عن الأهواء والمصالح الشخصية.
هذا الهدف الأسمى ليس شعارًا، بل مُمارسة يجب أن تنعكس في السلوك اليومي، وفي طريقة إدارة الخلافات، وفي قرار الامتناع عن العودة إلى ما يُفرق بدل ما يجمع. فحين تتصدر المصلحة العامة المشهد، يصبح الماضي مجرد درس، لا ساحة معركة.
في النهاية، تبقى القدرة على طيّ الملفات القديمة خطوة جوهرية في مسار أي مُجتمع يسعى إلى مُستقبل أفضل.
- إنها دعوة صريحة بلا أي مصلحة شخصية إلى أن نرتفع فوق التفاصيل، وننظر أبعد من الانفعالات، ونختار الطريق الذي يبني ولا يهدم. فبناء الغد يبدأ من قرار واحد: ألا نسمح للماضي أن يخطف الحاضر أو يُعطّل المصلحة العامة.
