ماجدة محمود …تكتب
في كتاب Egyptian Mummies: Unraveling the Secrets of an Ancient Art يقدم عالم المصريات الأمريكي Bob Brier قراءة مختلفة لفن التحنيط المصري لا بوصفه طقساً جنائزياً فحسب بل بوصفه علماً دقيقاً سبق زمنه بآلاف السنين الكتاب لا يكتفي بسرد تاريخي تقليدي بل يغوص في التفاصيل التقنية والروحية التي أحاطت بعملية حفظ الجسد ويعيد بناء الصورة الكاملة لعلاقة المصري القديم بالموت والحياة الأبدية
براير ينطلق من سؤال جوهري كيف استطاع المصريون أن يحافظوا على الأجساد سليمة عبر آلاف السنين في بيئة صحراوية قاسية ويجيب عبر تحليل علمي مدعوم بالتشريح والدراسات المعملية والفحوصات الحديثة مؤكداً أن التحنيط لم يكن فعلاً عشوائياً ولا سحراً غامضاً بل منظومة علمية متكاملة تبدأ بإزالة الأعضاء الداخلية وتجفيف الجسد باستخدام النطرون ثم لفه بعناية بطبقات من الكتان المشبع بالراتنجات والزيوت العطرية وكل خطوة كانت محسوبة بدقة مذهلة
أهمية الكتاب لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها بل في التجربة العملية التي خاضها المؤلف عندما أعاد تحنيط جثة بالطريقة المصرية القديمة في سابقة علمية أعادت إحياء تقنيات عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام تلك التجربة لم تكن استعراضاً بل محاولة لفهم التفاصيل الدقيقة التي لا تذكرها النصوص كاملة من زمن التجفيف إلى نسب المواد المستخدمة إلى التحديات البيولوجية التي واجهها المحنط القديم ومن خلالها أثبت براير أن ما فعله المصريون لم يكن ضرباً من الغموض بل علماً تطبيقياً قائماً على الملاحظة والتجربة
الكتاب يكشف كذلك البعد العقائدي لفن التحنيط فالمصري القديم لم يكن يحفظ الجسد بدافع الخوف من الموت بل إيماناً عميقاً بفكرة البعث وعودة الروح إلى الجسد لذلك كان الحفاظ على الهيئة أمراً مقدساً فالتحنيط كان جسراً بين الأرض والسماء بين الزمن والأبدية وهو ما يفسر العناية الفائقة التي أوليت لأدق التفاصيل
تحليل براير يضعنا أمام حقيقة مذهلة أن المصريين القدماء امتلكوا معرفة تشريحية متقدمة وأنهم أدركوا وظائف الأعضاء الداخلية وأهمية إزالة ما يفسد الجسد كما عرفوا خصائص المواد الكيميائية الطبيعية وقدرتها على مقاومة التحلل وهو إدراك يسبق بكثير نشأة علم التشريح الحديث في أوروبا
الكتاب لا يكتفي بتمجيد الماضي بل يدعونا إلى إعادة تقييم حضارة طالما اختزلت في الأهرامات والتماثيل بينما كان في داخلها علم دقيق وفكر فلسفي عميق وفهم استثنائي للجسد الإنساني
وفي النهاية يتركنا العمل أمام حقيقة لا تقبل الجدل أن عظمة المصريين لم تكن في قدرتهم على تشييد المعابد فحسب بل في قدرتهم على فهم سر الجسد وصيانته ضد الفناء لقد حاوروا الموت بعلم وإيمان وانتصروا عليه بفن التحنيط فبقيت أجسادهم شاهدة على عبقرية حضارة عرفت كيف تصنع من التراب خلوداً ومن الجسد رسالة تتحدى الزمن
magy-news@hotmail.com
