بقلم د.ليندا سليم
أشفق على الرجل، لا لأنني أراه ضعيفًا، بل لأنني أعرف كم يُجبر نفسه على أن يبدو قويًا، وكم يؤجل أوجاعه حتى لا يثقل بها أحدًا، لذلك يهزني بكاء الرجل، ويكاد يفطر قلبي، وكلما رأيت رجلًا منكسر الخاطر تذكرت أبي، لا لأنني رأيته يومًا ضعيفًا، بل لأن صورة الأب في داخلي هي صورة الرجل الذي يستحق دائمًا أن يُصان، فأصبحت أنظر إلى كل رجل بعين من تعرف أن خلف الصلابة قلبًا يتعب أيضًا،
يؤلمني أن يهزمه العجز، أو أن يخذله ضيق الرزق وهو يريد فقط أن يؤدي مسؤوليته كما ينبغي، فالرجل لا يكسره الفقر وحده، وإنما يكسره شعوره بأنه لم يعد قادرًا على العطاء، وأن يده التي اعتادت أن تمتد لتساند غيرها أصبحت تبحث عمن يسندها،
لكن ما يحزنني أكثر أن بعض الرجال لا يسقطون لأنهم سيئون، بل لأنهم لا يحسنون قراءة البشر، قد يملكون الشهامة والكرم والرجولة، لكنهم يفتقدون البصيرة، فيخدعون بكلمات يعرف أصحابها كيف تداعب غرورهم، فيحسبون الإعجاب حبًا، والاهتمام وفاءً، وما كل اهتمام صادق، ولا كل كلمة جميلة نابعة من قلب،
الرجل في داخله طفل لا يطلب المستحيل، يريد أن يشعر بالتقدير، وأن يرى نفسه كبيرًا في عين من يحب، لكنه أحيانًا يخلط بين من غذّت غروره، ومن احتضنت ضعفه، وبين من رغبت فيه، ومن عشقته،
وهنا يكمن الفرق، فالرغبة قد تنطفئ إذا نالت ما تريد، أما العشق فلا يعرف الاكتفاء، لأنه لا يسكن الجسد وحده، بل يستوطن الروح، وكلما اقترب ازداد تعلقًا، وكلما طال الزمن ازداد دفئًا، لأنه قائم على السكن والمودة والرحمة، لا على اللهفة العابرة،
أتمنى أن يأخذ الرجل حقه من الإنصاف، لكنني أتمنى أكثر أن يعرف حق نفسه، وأن يتعلم كيف يميز بين المرأة التي تثبت إذا تبدلت الأحوال، وتلك التي لا تعرفه إلا وهو قادر، بين من تحفظه في غيابه، ومن تحفظ مصالحها في حضوره، بين الوفاء الذي لا يحتاج جمهورًا، والكلمات التي تموت بمجرد أن يتحقق منها المقصود،
كم من رجل أضاع امرأة كانت أصدق الناس معه، لأنه صدق امرأة كانت أبرع الناس في إقناع قلبه، وكم من امرأة وفية دفعت ثمن إخلاصها لأنها وقفت خلف رجل لم يعرف قيمة من كانت ترفع عنه أثقال الحياة بصمت،
لذلك لا أكره الرجل، ولا أبرره، وإنما أشفق عليه، لأنه كثيرًا ما يخوض معاركه خارج بيته، ثم يخسر أكبر معاركه في قلبه، يوم يعجز عن التمييز بين من أحبته روحه، ومن داعبت غروره، وبين من كانت له عمرًا، ومن كانت مجرد لحظة.
