القائمة

إشكالية المصداقية في عصر المحتوى المُولَّد آليًا: امتداد لجدل صناعة الأخبار الزائفة في عصر الرقمنة

Linda Seleem شهر واحد مضت 0 5.5 ألف

بقلم |د.أسامة احمد زارع
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي المعاصر، لم يعد إنتاج الأخبار وتداولها حكرًا على الفاعل البشري التقليدي، بل أصبح جزءًا من منظومة رقمية معقدة تتداخل فيها الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي مع العمليات الإعلامية المختلفة. وهو ما يطرح إشكالية مركزية تتعلق بمفهوم المصداقية في العصر الرقمي، حيث تتآكل الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتصنيع، وبين المصدر البشري والمصدر الآلي.
في هذا السياق، لا يمكن فصل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي عن الجدل الأوسع الذي طرحته في كتابي “صناعة الأخبار الزائفة في عصر الرقمنة”.
فقد تناولت إشكالية بناء الأخبار المضللة في البيئات الرقمية، موضحًا كيف أسهمت الرقمنة في تسريع عمليات إنتاج وتداول الأخبار الزائفة، وإعادة تشكيل أنماط التلقي والتفاعل الإعلامي.
وإذا كانت الرقمنة قد فتحت المجال أمام تسارع إنتاج وانتشار المحتوى المضلل، فإن المحتوى المُولَّد آليًا (AI-Generated Content) يضيف طبقة أكثر تعقيدًا من الإشكاليات، حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على “نشر خبر زائف”، بل امتدت إلى إمكانية إنتاج محتوى شديد الواقعية دون وجود مصدر بشري مباشر.
وهنا تتداخل حدود الحقيقة مع المحاكاة، ويصبح التمييز بين “المصدر” و“الصياغة” أكثر صعوبة في ظل التطور المتسارع لأدوات توليد النصوص والصور والفيديوهات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وهو ما يعيد إنتاج سؤال المصداقية في مستوى أكثر تعقيدًا:
هل تكمن الإشكالية في “من ينشر الخبر”، أم في “كيفية إنتاجه أصلًا داخل بيئة رقمية-خوارزمية؟”
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه امتدادًا تطوريًا لما تناوله الكتاب حول الأخبار الزائفة في عصر الرقمنة، إلا أنه في الوقت ذاته يمثل تحولًا نوعيًا، إذ لا يقتصر دوره على تسريع انتشار التضليل، بل يمتد ليشارك في إنتاجه منذ لحظة التكوين الأولى. وهو ما يفرض على الدراسات الإعلامية إعادة مساءلة مفاهيم مركزية مثل: المصدر، الحقيقة، والموثوقية، في ضوء البنية الخوارزمية الجديدة للاتصال.
من الإطار النظري إلى التطبيق: قراءة في الواقع الإعلامي المصري
وعلى المستوى التطبيقي، تتجلى هذه الإشكالية من خلال الدراسة التي أجريتها، والتي اعتمدت على التحليل الكمي والكيفي للأخبار الزائفة في الصفحة الرسمية لـ رئاسة مجلس الوزراء المصري خلال فترة زمنية محددة.
وقد كشفت النتائج أن ظاهرة الأخبار المضللة لا ترتبط فقط بمحتوى الرسالة الإعلامية، بل تمتد إلى سياقات إنتاجها وتداولها داخل البيئة الرقمية. كما أظهرت أن التفاعل الرقمي، وإعادة النشر، والتأويل الجماهيري، تقوم بدور محوري في إعادة تشكيل المعنى الإعلامي، بما قد يؤدي أحيانًا إلى انحراف الرسالة عن سياقها الأصلي.
كما بينت الدراسة أن الفضاء الرقمي الرسمي لم يعد معزولًا عن ديناميات التضليل الإعلامي، بل أصبح جزءًا من بيئة تواصلية مفتوحة تتداخل فيها الرسائل الرسمية مع تدفقات المعلومات غير الدقيقة أو المضللة، وهو ما يعكس تعقيد العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور في العصر الرقمي.
الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل مفهوم المصداقية
في ضوء هذه المعطيات، يصبح الذكاء الاصطناعي عاملًا إضافيًا يعمّق أزمة المصداقية، حيث لا يكتفي بتسريع إنتاج المحتوى، بل يعيد تعريف شروط إنتاجه ذاتها. فالمحتوى لم يعد يعتمد فقط على “من قال”، بل على “كيف تم توليده”، و“بأي أدوات خوارزمية تم تشكيله”.
ومن ثم، تتجه الممارسة الإعلامية نحو إعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل الحقيقة، والموضوعية، والمصدر، في ظل بيئة إعلامية أصبحت فيها الخوارزمية فاعلًا رئيسيًا في تشكيل الخطاب الإعلامي.

وفي النهاية، يمكن القول إن الانتقال من “صناعة الأخبار الزائفة في عصر الرقمنة” إلى “إنتاج المحتوى المُولَّد آليًا” لا يمثل مجرد تطور تقني، بل يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة الإعلام ذاته. فالمشكلة لم تعد فقط في انتشار الأخبار المضللة، بل في إعادة تشكيل آليات إنتاج الحقيقة داخل منظومة إعلامية خوارزمية معقدة.
وبذلك، تصبح المصداقية في العصر الرقمي مفهومًا متغيرًا، لا يرتبط فقط بالمصدر، بل بالبنية التقنية التي تُنتج هذا المصدر وتعيد تعريفه باستمرار.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *