بقلم الإعلامية دكتوره: ماجدة عبد العال
في كل مرة تشتد فيها الأزمات على دولة عربية، يُفترض أن تتداعى لها بقية الدول كما يتداعى الجسد للعضو المصاب. هكذا يُفترض. هكذا علّمنا التاريخ، وتغنّت أدبيات الوحدة العربية لعقود. لكن الواقع الآن… شيء آخر تمامًا.
أن تنظر إلى الخريطة، وترى مصر محاصرة من الجنوب بعدم استقرار السودان، ومن الغرب بانفلات حدود ليبيا، ومن الشرق بنيران مشتعلة لا تهدأ في غزة وسيناء، وفي الشمال طموحات دولية في المتوسط، لا يمكن أن تظن أن هذا التزامن محض مصادفة. هذا حصار، لكنه ليس فقط حصار جغرافيا… بل حصار موقف، حصار أخوّة، حصار ضمير عربي ميت أو مغيّب.
مصر، التي حاربت من أجل فلسطين، ودافعت عن استقلال الجزائر، ودعمت الثورة اليمنية، وساعدت لبنان في محنه، وأوت اللاجئين من كل حدب وصوب، تُترك الآن تتخبط في أزماتها الاقتصادية، تُراكم عليها الديون، وتُطلب منها التزامات لا تطلب حتى من دول تسبح في بحر من المال والنفط.
الأسوأ من كل ذلك، أن من كان يُفترض أن يكون الداعم الأول، أصبح ممولًا لحروب لا يُعرف من المستفيد منها سوى الغرب، الذي يبيع السلاح لمن يدفع، ويخطط لمعارك لا يخوضها بنفسه، بل يديرها عن بُعد من وراء مكاتب مخابراته وصفقات مصالحه.
أليس من العار أن تُموّل بعض الدول العربية الغرب بمئات المليارات لشراء أسلحته، بينما مصر، بأهميتها الجغرافية والتاريخية، تُترك تُقترض وتُضغط وتُدان؟
أين نخوة العروبة؟ لماذا لا تتكاتف الدول العربية – ولو لمرة واحدة – لتسديد ديون مصر؟ أليس هذا استثمارًا في استقرار الأمة كلها؟ أليست مصر بوابة الصمود العربي؟ أليست خط الدفاع الأول؟
منذ سنوات، والعالم العربي ينهار تدريجيًا، دولة بعد أخرى. ومع كل سقوط، كانت مصر دائمًا هي الجدار الأخير. حتى في أشد لحظات ضعفها، كانت تقاوم – تارة بالسلاح، وتارة بالسياسة، وتارة بالصبر. لكنها الآن تُواجه ما هو أخطر من الحصار العسكري أو الاقتصادي… إنها تواجه التجاهل.
تجاهل مريب من بعض الأشقاء، الذين لا يدعمونها، ولا يدافعون عنها، بل في بعض الأحيان، يقفون في الصف المقابل، يُمولون إعلامًا مشبوهًا، ويحتضنون أفكارًا تؤجج الفتنة، ويصمتون عن حملات التشويه.
لماذا؟
هل أصبحت مصر عبئًا؟
أم أن هناك من يخاف أن تنهض فتستعيد دورها؟
هل أصبحت القاهرة تقلق عواصم كانت بالأمس القريب تستمد منها القوة والموقف؟
إن مصر ليست دولة عابرة. إنها مفتاح التوازن العربي. وإذا وُضعت في الزاوية، فالعالم العربي كله سيدفع الثمن. من يعتقد أنه في مأمن، لأنه يملك المال أو التحالفات الغربية، واهم. التاريخ علمنا أن الغرب لا يحمي إلا مصالحه، وحين ينتهي دورك، يُستبدل بك.
فهل نُدرك الدرس قبل أن يصبح الحديث عن “الإنقاذ” ترفًا متأخرًا؟
هل نتحرك قبل أن يُفرض على مصر ما فُرض من قبل على دول فقدت سيادتها، ومزّقتها الحروب الأهلية؟
مصر لا تطلب مِنّة، لكنها تستحق أن يقف معها العرب – ولو لمرة – وقفة حقيقية.
لا نريد مؤتمرات ولا بيانات شجب، بل نريد قرارًا عربيًا حقيقيًا:
أن تُسدَّد ديون مصر بأموال العرب، بدلًا من أن تُضخ المليارات لشراء ولاء الغرب.
أن يُحمى ظهر مصر، بدلًا من أن يُغرس فيه الخنجر.
التاريخ لن يرحم، والشعوب لن تنسى.
فإما أن نفيق، أو نتحمل جميعًا تكلفة السقوط… دولةً بعد أخرى.
هذا الصمت العربي تجاه ما تتعرض له مصر لا يمكن وصفه إلا بالخيانة للصداقة والتاريخ والمصير المشترك. دعم مصر اليوم ليس منّة، بل ضرورة استراتيجية لمن أراد أن تبقى للعرب كرامة أو مكانة.
فهل من عاقل يوقظ الضمير العربي قبل فوات الأوان؟ أم أن المال سيبقى أداة في يد الجهل، تشتري به الدول الغربية قوتها، بينما تُترك مصر – والأمة – فريسة للديون، والفتن، والتآكل البطيء ؟
magy-news@hotmail.com
