عصام متولي | مصر
ليست ظاهرة جديدة، بل كانت دائماً معادلة بسيطة “كلما قل الحياء كلما زادت الأموال”، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي ظهر الجيل القديم من التيك توك وكان يطلق عليه ظاهرة أفلام لبنان، عندما انحرفت السينما المصرية عن مسارها كفنٍ هادف لتصبح مجرد سلعة تباع وتشترى وتُركت لقانون العرض والطلب فقط دون النظر لمعايير أخرى.
كانت شبه هجرة فنية مصرية إلى لبنان، أشهر أبطالها رشدي أباظة، فريد شوقي، حسين فهمي، عزت العلايلي.. وغيرهم، والقاسم المشترك في معظم الأفلام المصرية التي تم إنتاجها أو تصويرها في لبنان خلال هذه الحقبة المظلمة هي المشاهد الساخنة، والسباق كان على سقف تلك المشاهد، فكلما زادت جرأتها كلما كان الإقبال عليها أكبر، والمفارقة الغريبة أن الجمهور المصري لم يتعرف على تلك الأفلام إلا بعد عشرين عاماً تقريباً من إنتاجها، حيث لم يعرض معظمها في دور العرض المصرية لجرأتها الزائدة، فكانت تؤجر بطريقة غير شرعية في نوادي الفيديو وبعد ذلك على الأرصفة في صورة اسطوانات.
إذاً فالظاهرة لها تاريخ، ولكنها الآن خرجت عن السيطرة، فكل ما تحتاجه الفتاة أو الشاب هاتف ذكي موصل بالإنترنت وتطبيق من تطبيقات التواصل الاجتماعي (يوتيوب، فيسبوك، تيك توك.. إلخ) لنواجَه نحن بطوفان من مقاطع الفيديو المليئة بالقُبح والبذاءة والعُري، لما لا؟ فتلك التطبيقات أو المنصات تدفع أموالاً طائلة لبناء محتوى ضخم يسلي المشاهد.
وفي توجه محمود للسلطات في مصر جرت في الفترة الأخيرة ملاحقات أمنية لمقدمي المحتوى غير اللائق بطبيعة المجتمع المصري، ورغم إيماني أن الملاحقات الأمنية ليست هي الحل الناجع لمواجهة تلك الهجمة الثقافية، إلا أنها تقوم الآن بدور رجل الإطفاء في السيطرة على الحريق.
ويأتي بعد ذلك دور المجتمع بمنظماته وهيئاته الحكومية وغير الحكومية لإعادة إعمار المنظومة الأخلاقية التي باتت في خطر شديد منذ أن أصبحت تلك التطبيقات جزءً لا يتجزأ من حياة الشباب والعربي.
أصبحت الأنشطة الشبابية الواقعية البعيدة عما يسمى الواقع الافتراضي مثل الرياضة والفنون ضرورة ملحة لشباب اليوم، فلو أُتيحت تلك الأنشطة وتم التخطيط لها بشكل جيد سوف تستوعب هؤلاء الشباب وتنقذهم من هوة (اللاواقع) الغارقين فيه حتى أنوفهم، فقد حان الوقت للنهوض بالأنشطة المدرسية وتنظيم المسابقات الجادة كما كان يحدث في الماضي، والنهوض بالمنظومة الثقافية من قصور الثقافة ومسارح الدولة والمسرح الخاص والحر، وكذا المنظومة الرياضية من مراكز شباب وأندية لاستيعاب الطاقات المتفجرة للشباب.
الأمر جد خطير ويتطلب منا المزيد من الجهد والتخطيط والمثابرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأجيال الحالة وأجيال المستقبل، ولبناء حائط صد منيع ضد الهجمات الاستعمارية العابرة للقارات عبر هواتفنا، وحتى لا يتحول شبابنا إلى لعبة يملكها أعدائنا، فمن يمتلك الشباب يمتلك القوة.