القائمة

نوح والطوفان “الملأ” وإعادة الضبط “الجزء الأول”

Linda Seleem شهرين مضت 0 10 ألف

ممدوح حكيم يكتب|

تولى شيث إعادة بناء المجتمع المؤمن، وظل الصراع يحتدم حتى جاء إدريس ليكون أول نبي يواجه الانحراف المادي لذرية قابيل بالعلم والوحي والقتال، وكانت تلك الحقبة هي صراع الوجود بين “الإنسان الصانع” الذي يريد السيطرة على الأرض بالقوة والمادة، و”الإنسان العابد” الذي يريد عمارة الأرض بالوحي والقيم. انتهت هذه الجولة برفع إدريس إلى مكان عليّ، وبقاء الصراع مشتعلاً، حيث استمرت ذرية قابيل في طغيانها المادي الذي لم يعد يوقفه شيء.

عندما وصلت البشرية إلى طريق مسدود من “الفساد المادي” والشر الذي تغلغل في النخاع، لم يكن هناك بد من “إعادة ضبط” شاملة للعالم. قصة نوح عليه السلام ليست مجرد حكاية عن سفينة وطوفان، بل هي تحول كبير في تاريخ الأرض، حيث انتهى عصر وبدأ عصر جديد تماماً.

الملأ “النخبة المادية”:

تُسلط المصادر التاريخية والدينية (تفسير القرطبي “لسورة الأحزاب: 33″، تاريخ الطبري “ج1، ص 165″، سفر التكوين “الأصحاح:6- الآيات:1-4″، التلمود “رسالة سنهدريم 108أ”) الضوء على علاقة معقدة بين ذريتي قابيل وشيث، حيثُ بدأ التجانس والاندماج ليس عن طريق الحوار، بل عن طريق “الفتنة”, حين بدأت نساء ذرية قابيل في ابتكار أساليب الزينة والتبرج (بإيعاز من الشيطان)، واستخدمن المعازف التي اخترعها “يوبال”. هبط رجال من ذرية شيث لاستطلاع الأمر، فبُهروا بجمال النساء وصخب الحياة المادية، فبدأوا في التزاوج معهم، بمرور الوقت، لم يعد هناك فرق بين قابلي وشيثي؛ (وفي نوح: 24) أن الجميع غرق في “تجانس الضلال”، وأضل كبراؤهم كثيرا من أتباعهم، ولقد تحولت الأرض إلى غابة من القوة المادية التي لا يحكمها خُلُق، وبذلك تحولت العلاقة من “العزلة التامة” إلى “الاختلاط الكلي” الذي أدى بدوره إلى ظهور طبقة “الملأ” النخبة المادية الطاغية التى استكبرت بعلمها ومالها.

شرارة الصدام: “الملأ” في مواجهة الفقراء

بدأت الأزمة، كما يوثق القرآن الكريم (سورة نوح: 23)، بظهور أول شرخ في عقيدة التوحيد عبر “تقديس الصالحين” (ود، سواع، يغوث، يعوق، نسر)، عن ابن عباس رضي الله عنهما في [صحيح البخاري: 4920]، هؤلاء كانوا عباداً صالحين في الفترة ما بين آدم ونوح، أحبهم الناس بشدة، فعندما ماتوا، استغل الشيطان حزن الناس عليهم وأقنعهم بصنع تماثيل لهم “للتذكر فقط”، وبعد مرور أجيال ونسيان العلم، أوهم الشيطان الأحفاد أن أجدادهم كانوا يعبدون هذه التماثيل ويستسقون بها، فبدأ الشرك في الأرض. هنا بدأ بروتوكول “تأليه البشر/ الرموز”، هذا هو التأصيل الأول لعملية “صناعة الرموز” لشغل الناس عن الخالق؛ حيث يتم استبدال الحقائق المطلقة بـ “أصنام بشرية” أو “نخب مقدسة” تُتبع من دون الله، وهو جوهر عمل “الفاعل المستتر” في توجيه وعي الجماهير.

950 عاماً من المحاولات الإصلاحية

وبحلول عصر نوح، ومع مرور 950 عاماً من المحاولات الإصلاحية، واجه نوح جداراً صلباً من “الملأ” (الطبقة الأرستقراطية المستكبرين) الذين يصفهم القرآن الكريم سورة هود (الآية 27) أن المعارضة كانت “طبقوية” بامتياز، حيث عاب الأثرياء على نوح أن أتباعه هم من “الأراذل” (الفقراء والبسطاء). لقد اعتقدوا أن قوتهم المادية تجعلهم فوق قوانين السماء، وفي المقابل، يصف سفر التكوين (6: 5) الحالة الأخلاقية حينها بأن “شر الإنسان قد كثر في الأرض”، مما جعل الصدام حتمياً بين الفئة المؤمنة والمنظومة الفاسدة. هنا بدأ بروتوكول “التحقير الطبقي”؛ فالدين في نظر “الملأ” للفقراء (الأراذل)، أما “السيادة” فهي لمن يملك التكنولوجيا والجاه.

يخبرنا الله تعالى عن نوح في القرآن الكريم (نوح: 5-10 ،21)، أنه اشتكى إلى ربه، عز وجل، ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما، وما بين لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، وأنه دعاهم ليل ونهار، وأنه كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فروا منه وحادوا عنه، وسدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما يدعوهم إليه من الهدى واستمروا على الشرك والكفر، ثم أنه دعاهم جهرة بين الناس بكلامً ظاهرا بصوت عال، وكذلك فيما بيني وبينهم سراً، ليستغفرو ربهم سوف يجدوه غفارا. فلم يكن منهم إلا أِنَّهُمْ عَصَوهِ وردّوا عليّ ما دعاهم إليه من الهدى والرشاد واتبعوا في معصيتهم من دعاهم إلى ذلك، ممن كثر ماله وولده، فلم تزده كثرة ماله وولده إلا خسارا، بُعدا من الله، وذهابا عن مَحَجَّة الطريق، وبعد أن أوحى الله إليه: “أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن”(هود:36)، دعا عليهم: “وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا” (نوح:26-27).

لم يكن “المَلأ” يعترضون على دعوة نوح لأنها غير منطقية، بل لأنها تهدد “المركزية المادية” التي أسسوها. بدأ يستخدم الشيطان “الفاعل المستتر” في السيطرة على الملأ من القوم “سلاح المكانة الاجتماعية” و”الإقصاء الفكري” ضد كل من يذكرهم بالأصل الروحي (الاستخلاف).

 في اللقاء التالي نستكمل الجزء الثاني من الرحلة مع نوح ..

موضوع ذات صلة:

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *