السعودية |مقيم
لستُ مواطنة سعودية، ولا أعمل في المملكة، ولا أكتب بحثًا عن مصلحة أو منفعة. أنا مرافقة لمقيم، اخترت أن أعيش مع زوجي وأبنائي على أرض السعودية، حتى صارت جزءًا من عمري، وشاهدًا على حكاية أسرتي؛ فيها وُلد أبنائي، وفي ترابها وُوري الثرى من فقدناهم، فكيف تكون هذه الأرض بالنسبة إليّ مجرد مكان للإقامة؟
هناك أوطان نولد فيها، وأوطان تسكننا بما عشنا على أرضها من أفراح وأوجاع، وبما تركته الأيام في أرواحنا من ذكريات لا تمحوها المسافات،والسعودية بالنسبة إليّ ليست عنوانًا في أوراق الإقامة، بل حكاية عمر ارتبطت فيها تفاصيل أسرتي بأرض الحرمين الشريفين.
لذلك، حين أتحدث عن أمن المملكة واستقرارها، لا أتحدث من موقع المجاملة، ولا بلسان صاحبة مصلحة، بل بلسان امرأة تعرف معنى أن يرتبط قلبها بأرض احتضنت أسرتها، وأن يصبح أمنها جزءًا من طمأنينتها.
للسعودية مواطنون يحملونها في قلوبهم، ولها مقيمون ارتبطوا بها بحكاياتهم وأعمار أبنائهم، ولا ينتقص اختلاف الجنسية من صدق المحبة، كما لا يلغي خصوصية المواطنة وحقوق المواطن ومكانته. فلكلٍّ حقوقه وواجباته، لكن الوفاء للأرض التي نعيش عليها قيمة إنسانية لا تحتاج إلى جواز سفر كي تثبت وجودها.
نعم، يتحمل المقيم أعباء المعيشة ورسوم المرافقين وغيرها من الالتزامات، وقد يقتطع ذلك جزءًا كبيرًا من دخله، ومع ذلك تختار أسر كثيرة البقاء، حفاظًا على اجتماع شملها واستقرار أبنائها، فالحياة ليست حسابات مالية وحدها؛ إنها أيضًا أمان وطمأنينة وذكريات وروابط يصعب اختزالها في الأرقام.
وما نمر به هذه الأيام يذكّرنا بأن الأمن نعمة لا يدرك قيمتها كاملة إلا من يعرف ما الذي يمكن أن يفقده الإنسان حين تضطرب الأوطان،ومن هنا، فإن حماية الاستقرار ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية مجتمعية يؤديها كل إنسان بالوعي واحترام الأنظمة، ورفض الشائعات والتحريض، والوقوف ضد كل اعتداء يهدد سلامة البلاد وأهلها والمقيمين فيها.
وللحجاز في قلب كل مسلم مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا؛ ففيه مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإليهما تتعلق أفئدة المؤمنين. وإذا كان للبيت ربٌّ يحميه، فإن الله جعل للأمن أسبابًا، ولحماية الأوطان مسؤوليات، وللمجتمعات المتماسكة قدرة على مواجهة الخطر بالوعي والثبات.
نحن لا نريد حربًا، ولا نتمنى الأذى لأحد. نريد للسعودية الأمن والأمان، ولأهلها والمقيمين فيها حياة مستقرة، ولأبنائنا مستقبلًا لا يخالطه الخوف، ومحبتنا لها لا تعني التنكر لأوطاننا الأصلية، بل تعني الوفاء لأرض عشنا فيها، واحترام بلد منحنا فرصة أن نبني على ترابه تفاصيل حياتنا.
أنا مرافقة لمقيم، لا أعمل في السعودية ولا أتمصلح من الكتابة عنها، لكنني أملك ما هو أعمق من المصلحة: ذاكرة أسرة تشكّلت على أرضها، وأبناء ارتبطت أعمارهم بها، وأحبة تركوا في ترابها أثرًا لا يغادر القلب.
لهذا أقولها بصدق: السعودية ليست مجرد بلد إقامة بالنسبة إليّ، والحجاز ليس أرضًا غريبة عن وجداني، إنها أرض أحمل لها المحبة والدعاء، وأرجو لها دوام الأمن والاستقرار.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا ومقيمين، وحفظ الحرمين الشريفين، وأدام على هذه الأرض نعمة الأمن والأمان، ورحم موتانا وموتى المسلمين، وجعل أيامنا عامرة بالسكينة والسلام.
من مرافقة لمقيم.. قد لا تحمل أوراقي جنسية هذا الوطن، لكن في قلبي حكاية تجعل أمنه دعاءً، واستقراره أمنية، والوفاء له موقفًا لا تحكمه المصلحة.
