القائمة

تحذير صحي لسُكان هولندا: مواد كيميائية ملوِّثة في مياه الصنبور.. هل مياه الشرب آمنة؟

سعيد السبكي 11 ساعة مضت 0 5.9 ألف

أثار تقرير نشره موقع «NU.nl» الهولندي في 26 سبتمبر 2026 مخاوف بشأن وجود مستويات مرتفعة من مركّبات كيميائية تُعرف باسم PFAS في مياه الشرب لدى شريحة واسعة من السكان في هولندا، ولا سيما في مناطق من غرب البلاد. وبينما يؤكد خبراء أن شرب مياه الصنبور لا يشكّل خطرًا صحيًا فوريًا وفق البيانات الواردة في التقرير، فإنهم يحذّرون من تجاهل مشكلة التلوث الكيميائي على المدى الطويل.
ويأتي هذا التنبيه في وقت أصبحت فيه مركّبات PFAS موضع اهتمام متزايد في أوروبا، بسبب انتشارها في البيئة وصعوبة تحلّلها، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن سلامة المياه والغذاء والتأثيرات الصحية المحتملة للتعرّض المستمر لها.


ما مركّبات PFAS، ولماذا تثير القلق؟
تُعرف PFAS بأنها مجموعة كبيرة تضم آلاف المركّبات الكيميائية التي استُخدمت في صناعات ومنتجات متعددة، من بينها المواد المقاومة للماء والدهون والبقع، وبعض أنواع الطلاء والتغليف.
وتكمن المشكلة في أن كثيرًا من هذه المركّبات يتحلّل ببطء شديد، ولذلك تُعرف في الاستخدام الإعلامي باسم «المواد الكيميائية الأبدية». ويمكن أن تصل إلى التربة والمياه الجوفية ومصادر مياه الشرب، كما يمكن أن يتعرّض الإنسان لها من خلال الغذاء والهواء والمياه.
ولا يعني اكتشاف هذه المواد تلقائيًا أن مياه الشرب ستسبّب مرضًا مباشرًا، لكن استمرار التعرّض لها يثير مخاوف علمية، خصوصًا بشأن الجهاز المناعي وبعض وظائف الجسم، وفقًا لنوع المركّب ومستوى التعرّض ومدته.


هل مياه الصنبور الهولندية آمنة للشرب؟
بحسب التقرير الهولندي، فإن شرب كوب من مياه الصنبور لا يُعدّ خطرًا صحيًا حادًا، ويؤكد الخبراء الذين استند إليهم التقرير أن السكان لا يحتاجون إلى التحوّل تلقائيًا إلى المياه المعبأة في الزجاجات.
وأوضح التقرير أن الحد القانوني المشار إليه لمجموع مركّبات PFAS في مياه الشرب يبلغ 100 نانوغرام لكل لتر، بينما بلغت أعلى قيمة قياس وردت فيه 14.3 نانوغرام لكل لتر، أي أقل من ذلك الحد القانوني.
لكن المسألة لا تنتهي عند المقارنة بالحد القانوني؛ إذ أشار التقرير إلى أن المعهد الوطني الهولندي للصحة العامة والبيئة (RIVM) حدّد قيمة إرشادية أكثر تحفظًا تبلغ 4.4 نانوغرام لكل لتر، استنادًا إلى مخاوف تتعلق بالتأثيرات الصحية المحتملة للتعرّض لهذه المركّبات.
ووفقًا للأرقام الواردة في التقرير، فإن مياه الصنبور لدى أكثر من ثلث السكان تتجاوز هذه القيمة الإرشادية.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: تجاوز القيمة الإرشادية لا يعني بالضرورة أن المياه غير صالحة للشرب وفق القانون، كما أن الالتزام بالحد القانوني لا يعني أن التعرّض المستمر للملوّثات أصبح بلا أي مخاطر محتملة.


هل المياه المعبأة في الزجاجات أكثر أمانًا؟
يُحذّر الخبراء من الاعتقاد بأن شراء المياه المعبأة في الزجاجات البلاستيكية يضمن الحصول على مياه خالية من PFAS.
ونقل التقرير عن الباحثة روبيرتا هوفمان، المتخصصة في معالجة المياه لدى مؤسسة KWR الهولندية، أن المياه المعبأة قد تحتوي أيضًا على مركّبات PFAS، فضلًا عن احتمال وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة.
وأشار التقرير إلى أن مياه «Bar-le-Duc»، على سبيل المثال، تأتي من مياه جوفية في مقاطعة أوترخت، وهي المنطقة نفسها التي تعتمد عليها شركة مياه الشرب Vitens في إنتاج مياه الصنبور، مع اختلاف أنظمة الفحص والرقابة بين مياه الشرب العامة والمياه المعبأة.
ووفقًا للتقرير، تخضع مياه الشرب التي تنتجها شركات المياه الهولندية لعدد كبير من الفحوص، بينما تختلف متطلبات الفحص الخاصة بالمياه المعبأة.
لذلك، لا ينبغي افتراض أن المياه المعبأة أفضل صحيًا لمجرد أنها تأتي في زجاجة، كما أن اختيارها بصورة دائمة يرفع التكلفة المالية ويزيد الأثر البيئي الناتج عن تصنيع العبوات ونقلها والتخلص منها.


لماذا يصعب إزالة هذه المواد من المياه؟
قد يبدو الحل بسيطًا: تركيب مرشّحات لإزالة الملوّثات قبل وصول المياه إلى المنازل. لكن الخبراء يشيرون إلى أن معالجة PFAS ليست بهذه السهولة.
فبعض تقنيات الكربون النشط تستطيع إزالة أنواع من هذه المركّبات، لكنها تحتاج إلى تجهيزات كبيرة وصيانة ومعالجة دورية مكلفة، كما أن كفاءتها تختلف باختلاف نوع المركّب.
أما تقنية التناضح العكسي، فيمكنها إزالة طيف واسع من الملوّثات، لكنها تنتج مياهًا مركّزة بالمواد التي جرى فصلها، فضلًا عن الحاجة إلى معالجة المياه الناتجة وإعادة ضبط محتواها المعدني عند استخدامها لمياه الشرب.
وبالتالي، فإن تنقية المياه وحدها لا تعالج أصل المشكلة إذا استمر إطلاق المواد الكيميائية إلى البيئة والمياه الجوفية.


ما هي المخاطر الصحية المحتملة؟
يشير التقرير إلى أن معظم السكان في هولندا لديهم مستويات من PFAS في الدم تثير القلق من منظور الصحة العامة.
ونقل عن أستاذ علم السموم الفخري ياكوب دي بور أن بعض الدراسات ربطت ارتفاع مستويات هذه المركّبات في الدم بتأثيرات محتملة على فعالية الاستجابة المناعية للقاحات، كما أظهرت أبحاث أخرى مخاوف بشأن اضطرابات صحية لدى أشخاص تعرضوا لمستويات مرتفعة منها، ومن بينهم سكان مناطق قريبة من منشآت صناعية ملوِّثة.
ومع ذلك، يجب عدم التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حدودًا فاصلة وثابتة بين الصحة والمرض لدى كل فرد؛ فالتأثيرات تختلف وفق نوع المركّب ومستوى التعرّض والعمر والعوامل الصحية الأخرى.
كما أن وجود PFAS في الدم لا يعني تلقائيًا إصابة الشخص بمرض، لكنه يعكس مدى انتشار هذه المواد وصعوبة تجنّب التعرّض لها بصورة كاملة.


ماذا ينبغي أن يفعل السكان في هولندا؟
في ضوء المعلومات الواردة في التقرير، يمكن توجيه النصائح التالية للقراء:
لا داعي للذعر: لا توجد في التقرير أدلة على أن شرب مياه الصنبور في هولندا يسبّب خطرًا صحيًا فوريًا عند المستويات المذكورة.
لا تستبدل مياه الصنبور بالمياه المعبأة تلقائيًا: فالمياه المعبأة ليست ضمانًا لغياب PFAS أو الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.
تابع المعلومات الرسمية: راجع بيانات شركة مياه الشرب المسؤولة عن منطقتك، وإرشادات المعهد الوطني الهولندي للصحة العامة والبيئة (RIVM)، والسلطات المحلية المختصة.
لا تعتمد على أي مرشّح منزلي دون التحقق من كفاءته: فليس كل فلتر قادرًا على إزالة جميع أنواع PFAS، وتختلف النتائج بحسب التقنية المستخدمة والصيانة.
طالب بالشفافية والوقاية: من حق السكان معرفة نتائج الفحوص ومستويات الملوّثات والإجراءات المتخذة لحماية مصادر مياه الشرب.


الحل الحقيقي يبدأ من وقف التلوث
خلص التقرير إلى أن معالجة المياه بعد تلوثها ليست حلًا كافيًا وحدها، وأن الأولوية ينبغي أن تكون للحد من وصول PFAS إلى البيئة ومصادر مياه الشرب من الأساس.
وتدعو أصوات علمية إلى تشديد القيود على استخدام هذه المركّبات، وتسريع الإجراءات الأوروبية الرامية إلى الحد منها، مع مراعاة الاستثناءات الصناعية التي قد تؤخر تحقيق هذا الهدف.


وتبقى الرسالة الأهم لسُكان هولندا أن الاطمئنان إلى عدم وجود خطر فوري لا ينبغي أن يتحول إلى تجاهل للمخاطر طويلة الأمد. فالمياه النظيفة ليست رفاهية، بل ضرورة صحية وحق أساسي، وحمايتها مسؤولية مشتركة تبدأ بمحاسبة مصادر التلوث، وتعزيز الرقابة المُستقلة، وإعلان نتائج الفحوص بوضوح أمام المواطنين.

كتب بواسطة

سعيد السبكي هو كاتب وصحفي وإعلامي مصري مقيم في هولندا، يشغل منصب رئيس تحرير شبكة "تايم نيوز بالعربي".

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *