بقلم |د.ليندا سليم
هناك صورة مثالية زائفة يحب الناس أن يعلّقوها على الآخرين، صورة الإنسان الذي لا يشتهي، لا يضعف، لا تراوده فكرة خاطئة، ولا يمرّ قلبه يومًا بالقرب من الحافة وكلما بدا الإنسان هادئًا ومتزنًا ومتدينًا، ظنّوا أن المعركة داخله انتهت، بينما الحقيقة أن بعض أكثر الأرواح هدوءًا أكثرها ضجيجًا في الداخل.
من قال إنّي لا أحبّ الخمر؟
أنا فقط أخاف أن أحبّها فأنزلق.
أعرف جيدًا كيف يمكن لكأس بارد في ليلة مثقلة بالتعب أن يبدو مغريًا، وكيف تستطيع لحظة هروب صغيرة أن تخدع الإنسان وتوهمه أن الحياة أخفّ مما هي عليه وأعرف أيضًا أن داخلي امرأة قد يعجبها الترف والانطلاق والأنوثة الحرة التي لا يقيّدها شيء، امرأة قد تتخيّل شعرها تحت الهواء بلا غطاء، وجسدها تحت شمس البحر، وموسيقى تأخذ الروح من جهة إلى جهة، وتفهم تمامًا لماذا ينجذب البشر إلى الانفلات ولو للحظات قصيرة.
ولست بريئة كذلك من تلك الأفكار التي تمرّ على النفس البشرية ثم تخجل منها بعد لحظات، أفكار عن المال السهل، وعن القدرة على الالتفاف والخداع إن أراد الإنسان، وعن رغبة خفية أحيانًا في أن يغار منّا من أحببناهم بعدما اعتادوا وجودنا حتى هدأت لهفتهم علينا، بل وربما تراود النفس رغبة صغيرة مؤذية في كشف بعض الناس لبعض، فقط لنرى كيف يتغيّر كل شيء حين تسقط الأقنعة.
كل هذا قد تسكن بذوره داخل النفس البشرية، لأن الإنسان ليس ملاكًا منزّهًا، كما أنه ليس شيطانًا كامل السواد،فداخل كل واحد منا نسخة لو تُركت لشهواتها قد تذهب وتتدنى.
الفرق الحقيقي ليس بين من يشتهي ومن لا يشتهي، بل بين من تقوده نفسه ومن يجاهدها وهو يتألم،ولهذا أفهم جيدًا معنى قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾.
فالله لم يقل: “ومن لم تكن له نفس”، بل قال: “ونهى النفس”، أي أنه سمع رغبتها أولًا، وفهم ضعفها، ثم قاومها.
الجهاد الحقيقي ليس دائمًا في ساحات القتال، أحيانًا يكون في غرفة مغلقة بين الإنسان ونفسه، بين رغبة مشتعلة وضمير يحاول النجاة ولهذا أبتعد أحيانًا، وأضع الحدود، وأقلل الكلام، وأغلق الأبواب التي أعرف أن قلبي قد يضعف أمامها، ليس لأنني ملاك، بل لأنني ادرك مواطن ضعف نفسي جيدا.
أعرف أن بعض العلاقات تبدأ بريئة ثم تفتح أبوابًا لا تُغلق، وأن بعض الكلمات توقظ احتياجًا نائمًا، وأن الإنسان لا يسقط فجأة، بل يتدرج حتى يعتاد ما كان يستنكره يومًا ولهذا جاء في الحديث الشريف: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال؛“إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ وبينهما أمورٌ مُشتبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس فمنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لدِينِه وعِرضِه
فالنجاة ليست دائمًا في أن نختبر قوتنا أمام كل فتنة، بل أحيانًا في أن نبتعد قبل أن نضعف، نحن لا نخاف من المعصية وحدها، بل نخاف من النسخة التي قد نصبح عليها بعدها، من اعتياد القلب، ومن اللحظة التي يتوقف فيها الضمير عن الارتجاف.
لهذا لا تندهشوا من الذين يبدون هادئين أكثر من اللازم، فبعضهم يخوض حروبًا يومية لا يراها أحد وقد يكون أكثر الناس أدبًا هو أكثرهم معرفة بقدرة نفسه على الانفلات لو ترك لها الحبل.
أنا لا أدّعي الطهر الكامل، ولا البطولة، ولا النقاء الذي بلا شوائب، أنا فقط إنسانة فهمت أخيرًا أن النجاة ليست في انعدام الرغبة، بل في مقاومة الرغبة التي مصيرها لا يرجوه أحد ولهذا كلما انتصرت على نفسي في أمر لا يراه أحد، أشعر أن الله وحده يعلم كم حربًا صامتة خضتها كي أبدو أمام الناس بتلك الهيئة وبهذه البساطة.
