القائمة

ليس مُستغرب المُطالبة بترحيل المُخالفين | مصر ليست جمعية خيرية مفتوحة بلا حدود

غرفة الأخبار شهرين مضت 0 6.3 ألف

على مدار سنوات طويلة، تعاملت مصر مع ملف اللاجئين والوافدين بمنطق إنساني وأخلاقي لم تقدمه كثير من الدول التي تتشدق صباح مساء بحقوق الإنسان. لم تُلقِ مصر بالهاربين من الحروب في مُخيمات معزولة خلف الأسلاك، ولم تُغلق أبواب مدارسها أو مُستشفياتها في وجوههم، ولم تمنعهُم من العمل أو الحركة أو مُمارسة حياتهم بصورة طبيعية.

بل فتحت الدولة المصرية أبوابها واحتضنت ملايين البشر ممن ضاقت بهم أوطانهم، وسمحت لهم بالعيش وسط المجتمع المصري باعتبارهم “ضيوفًا” لا غرباء.

المواطن المصري البسيط تقاسم لُقمة العيش، وتحمل أعباء اقتصادية طاحنة، بينما كانت الدولة تمد خدماتها للجميع دون تفرقة. مدارس، جامعات، مستشفيات، دعم، بنية تحتية، كهرباء، مياه، طرق، أمن واستقرار.. كل ذلك استفاد منه الوافد كما استفاد منه المواطن، رغم أن الدولة المصرية نفسها تواجه تحديات اقتصادية هائلة وضغوطًا غير مسبوقة.

للأسف، ومع كامل الاحترام لكل محترم وملتزم بالقانون، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مُمارسات صادمة من بعض الوافدين واللاجئين، تجاوزت حدود الأخطاء الفردية العادية، وتحولت إلى حالة من الاستفزاز العلني لمشاعر المصريين.

البعض لم يكتفِ بمخالفة القوانين أو التربح غير المشروع، بل وصل الأمر إلى الإساءة لمصر نفسها، وللمصريين، بل ولرموز الدولة المصرية وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

المصريون لم يغضبوا لأن هناك لاجئين أو وافدين يعيشون بينهم، فمصر عبر تاريخها كانت دائمًا ملاذًا لكل عربي ولكل مُحتاج، لكن الغضب الحقيقي جاء نتيجة تراكمات ومشاهد متكررة صنعت شعورًا عامًا بأن هناك من استغل التسامح المصري إلى أقصى درجة.

فحين يرى المواطن المصري مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي لأشخاص يتحدثون بتعالٍ عن مصر أو يسخرون من شعبها، أو يروجون لأفكار تمس هوية الدولة وتاريخها، فمن الطبيعي أن يشعر بالغضب. وحين يسمع عن مخالفات أو جرائم أو تجاوزات أخلاقية أو أنشطة اقتصادية مشبوهة، فمن الطبيعي أن يتساءل: إلى متى؟

الأمر لم يعد مُجرد نقاش عابر على مواقع التواصل، بل تحول إلى حالة احتقان حقيقية، لأن المواطن المصري يرى أن بلده تحملت فوق طاقتها من أجل احتواء الآخرين، بينما بعض هؤلاء لم يكتفوا بعدم الامتنان، بل تعاملوا وكأن مصر مجرد محطة مؤقتة لجمع الأموال أو تحقيق المكاسب دون أي احترام للمجتمع الذي احتضنهم.

ومن أخطر ما أثار غضب الناس أيضًا، ذلك الخطاب العدائي الذي تبناه بعض المنتمين إلى تيارات مثل “الأفروسنتريك”، والذين حاولوا تزييف التاريخ المصري والادعاء بأن الحضارة المصرية لا تخص المصريين، بل ووصل الأمر ببعض الأصوات المتطرفة إلى الحديث عن مصر وكأنها “ملك لهم”. هذه ليست حرية رأي، بل عبث سياسي وفكري واستفزاز متعمد لهوية شعب يمتلك واحدة من أعرق الحضارات في التاريخ الإنساني.

الأكثر استفزازًا أن بعض الوقائع التي تم تداولها أظهرت حالة من التعالي أو الكراهية تجاه المصريين أنفسهم، سواء عبر منشورات أو لافتات أو تصريحات مستفزة. وربما يكون بعضها تصرفات فردية، لكن تكرارها خلق انطباعًا عامًا خطيرًا بأن هناك من لا يحترم المجتمع الذي يعيش فيه.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد أصبح كثير من المصريين يتساءلون بمرارة: هل استفادت مصر فعلًا بالشكل الذي يتم الترويج له؟ أم أن الصورة أكثر تعقيدًا مما يُقال؟

ففي الوقت الذي يخرج فيه البعض ليتحدث بثقة عن أنهم “أنقذوا الاقتصاد المصري”، يرى قطاع من المصريين أن جزءًا كبيرًا من الأرباح والأموال يتم تحويله إلى الخارج بطرق غير رسمية، بعيدًا عن القنوات القانونية، ما يحرم الاقتصاد من الاستفادة الحقيقية. كما أن قطاعات كاملة شهدت منافسة شرسة وغير متكافئة أثرت على أصحاب المشروعات المصريين البسطاء.

ولا أحد ينكر أن هناك مستثمرين محترمين وشرفاء قدموا إضافة حقيقية، لكن المشكلة أن الأصوات الاستفزازية المرتفعة غطّت على الجميع، وجعلت حالة الغضب تتسع بصورة خطيرة.

ثم يأتي السؤال الأهم: هل من العنصرية أن يطالب المصري بتطبيق القانون داخل بلده؟

في كل دول العالم، من يسيء إلى الدولة المضيفة أو يخالف قوانينها أو يهدد أمنها يتم ترحيله فورًا، دون خطابات عاطفية أو مزايدات حقوقية. أوروبا نفسها التي تعطي دروسًا في حقوق الإنسان، بدأت تشدد قوانين اللجوء والهجرة وتُرحل المخالفين بلا تردد حين يتعلق الأمر بأمنها واستقرارها ومصالح شعوبها.

إن احترام اللاجئ الحقيقي لا يعني السكوت عن التجاوزات، وحماية المحتاج لا تعني ترك الدولة مستباحة لكل من يريد العبث أو الإساءة أو استغلال المناخ الإنساني لتحقيق مصالح خاصة.

مصر ليست ضد أحد، لكنها أيضًا ليست دولة بلا هيبة. ومن حق المصريين أن يشعروا بأن دولتهم تحميهم وتحمي هويتهم وكرامتهم الوطنية قبل أي شيء آخر.

لقد أصبح من الضروري فتح ملف اللجوء والهجرة بكل شفافية ووضوح، بعيدًا عن الشعارات الرنانة أو الاتهامات الجاهزة. المطلوب ليس الظلم أو الكراهية، بل التنظيم والحزم وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

من يحترم مصر ويحترم شعبها وقوانينها سيجد كل احترام وتقدير، أما من يسيء أو يتجاوز أو يتعامل مع الدولة المصرية وكأنها مجرد ساحة مفتوحة للفوضى أو الابتزاز أو الاستعلاء، فلا يجب أن يبقى دقيقة واحدة فوق أرضها.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *