القائمة

في المحسوس: الهوية المعلقة بين الحدود

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 9.3 ألف

بقلم د ليندا سليم 

في المحسوس، لا تُقاس الهوية بما يحمله الإنسان من أوراق، بل بما تسمح له المنظومة الدولية أن ينجو به من عالمٍ أعاد تعريف الحدود بوصفها أداة ضبط أكثر من كونها خطًا جغرافيًا،على امتداد البحر الأبيض المتوسط، لم تعد الهجرة غير النظامية حدثًا عابرًا أو موجة مؤقتة، بل تحولت إلى بنية دائمة لإدارة الأزمة، تتداخل فيها السياسات الأمنية مع الاقتصاد غير الرسمي، وتتراجع فيها مركزية الإنسان لصالح منطق الأرقام.

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت السياسات الأوروبية إلى نقل جزء كبير من إدارة الحدود إلى خارج المجال الجغرافي للاتحاد الأوروبي، عبر اتفاقيات مع دول العبور في شمال أفريقيا،هذه المقاربة، التي تُقدَّم بوصفها “تنظيمًا للهجرة وتقليلًا للمخاطر”، أعادت تشكيل المشهد على نحو أكثر تعقيدًا: الحدود لم تختفِ بل تحركت، وأدوات المنع لم تتراجع بل أصبحت أقل ظهورًا، بينما ازدادت مسارات العبور خطورة واتساعًا في آن واحد.

في هذا السياق، تتحول دول العبور وخاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة سياسية وانقسام مؤسسي إلى فضاءات رمادية تعمل فيها سياسات الهجرة خارج إطار قانوني مكتمل. لا تعمل الدولة هنا كمنظومة سيادية مستقرة، بل كمساحة تتداخل فيها سلطات محلية غير متجانسة، وشبكات تهريب عابرة للحدود، وترتيبات تعاون دولي غير متكافئة وهكذا تصبح الهجرة ملفًا يُدار بتوازنات غير رسمية بقدر ما يُدار بالقانون.

لكن ما يغيب عن الخطاب السياسي العام هو أن هذا النموذج لم يُنهِ الظاهرة، بل أعاد إنتاجها داخل اقتصاد غير مرئي، فكلما اشتدت سياسات الردع والإغلاق، ارتفعت تكلفة العبور، وزادت أرباح شبكات التهريب، وتضاعفت المخاطر الواقعة بالكامل على جسد المهاجر. لا تتراجع الظاهرة إذن، بل تتحول إلى شكل أكثر قسوة وأقل قابلية للرقابة.

في المقابل، يُبنى الخطاب الرسمي غالبًا على مؤشرات كمية: عدد الوافدين، نسب المنع، معدلات الانخفاض لكن هذا المنطق الإحصائي يُخفي طبقة أعمق من الواقع، حيث لا تُقاس السياسات فقط بمدى “نجاحها في ضبط التدفقات”، بل بما تُحدثه من أثر إنساني في مسارات العبور نفسها. فبينما تُعلن نجاحات متكررة في تقليل الأرقام، تتصاعد في الخلفية تقارير الانتهاكات، والاحتجازات خارج الأطر القانونية الكاملة، والمخاطر المتزايدة على الطرق غير النظامية.

داخل هذا النظام، لا يُمنح الإنسان موقعًا ثابتًا، بل يُترك في حالة تصنيف مستمر: قابل للبقاء، غير نظامي، قيد الفحص، أو خارج النظام بالكامل وهكذا تتحول الهوية من معنى وجودي إلى حالة إدارية معلّقة، لا هي اندماج كامل ولا رفض نهائي، بل وضع دائم في المنطقة الرمادية بين الاعتراف والإقصاء.

ورغم أن المشهد يبدو متعدد الأطراف، فإن بنيته تكشف عن تداخل واضح في المسؤوليات: سياسات أوروبية تركز على الردع وتقليل الدخول، دول عبور تتحمل ضغطًا جغرافيًا وسياسيًا يفوق قدراتها المؤسسية، وشبكات تهريب تستفيد من الفجوات بين النظامين، لكن وسط هذا التعقيد، يبقى الثابت الوحيد أن الكلفة النهائية لا تتوزع بالتساوي، بل تتركز بالكامل عند الإنسان الذي يقف في نهاية السلسلة.

هذا النص لا يتعامل مع حالة فردية، بل مع بنية ممتدة يعاد إنتاجها كلما تغيرت الأدوات وتبدلت السياسات،فالهجرة هنا ليست مجرد حركة عبور، بل مرآة تكشف طريقة إدارة العالم للتوتر بين الأمن والعدالة، وبين السيادة والمسؤولية، وبين الحق في الحركة وحق النظام في المنع.

“في المحسوس”، لا تُقرأ القضايا بوصفها أحداثًا منفصلة، بل بوصفها طبقات من الواقع تتراكم فوق بعضها، لذلك لا يكون السؤال الأهم: كيف نوقف الهجرة؟ بل كيف تُدار الحياة عندما تصبح الحركة الإنسانية نفسها موضوع ضبط دائم؟

وفي المسافة بين الإجابة والسؤال، تبقى الهوية معلّقة بين الحدود لا لأنها بلا تعريف، بل لأن التعريف نفسه أصبح جزءًا من الأزمة.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *