على مدى أكثر من قرن، ظلَّ اسم غيرترود بيل Gertrude Bell حاضرًا بقوة في أي نقاش حول نشأة الشرق الأوسط الحديث.
ورغم أن الكتب الغربية غالبًا ما تصفها بالمُستشرقة أو الباحثة أو رائدة الآثار، إلا أن الصورة الحقيقية التي تتكشف من الوثائق البريطانية تضعها في موقع مختلف تمامًا: جاسوسة، عرّابة نفوذ، ومهندسة لحدود سياسية ما زالت آثارها تهز المنطقة حتى اليوم.
الإرث المتناقض: بين البطولة والجاسوسية
في حين تحتفي بعض الأوساط الغربية بها كبطلة ثقافية نسوية، ينظر إليها الكثير من المؤرخين العرب باعتبارها مهندسة المشروع الاستعماري البريطاني . . جاسوسة طويلة المدى عملت على تقسيم وتشكيل المنطقة . . عقلًا باردًا أعاد ترتيب الشرق الأوسط بما يخدم الإمبراطورية البريطانية
والحقيقة تكمن في مكان ما بين الاثنين: فقد كانت امرأة استثنائية بذكاء حاد، لكن استثنائيتها توظفت في خدمة مشروع استعماري ترك جذورًا عميقة من الاضطراب.
بداية الطريق : من الجامعة إلى الصحراء
وُلدت بيل عام 1868 لأسرة صناعية بريطانية نافذة، وتلقت تعليمًا راقيًا في جامعة أكسفورد، وهو شيء نادر للنساء في ذلك الزمن. انجذبت إلى الشرق منذ زيارتها الأولى لإيران عام 1892، ثم تكررت رحلاتها إلى بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.
لكن ما يُقال إنها “باحثة مستقلة” ليس سوى نصف الحقيقة؛ فقد كانت زياراتها المبكرة تُستخدم لجمع معلومات اجتماعية وقبلية وسياسية لم تستطع المخابرات البريطانية جمعها بسهولة. كانت بيل تمتلك ثلاث ميزات ثمينة:
إتقان العربية والفارسية والتركية.
قدرة فريدة على التنقل بين القبائل والدخول إلى مُجتمعات مُغلقة.
علاقات وثيقة مع الزعماء المحليين.
هذه الميزات جعلتها بسرعة عين بريطانيا داخل المجتمعات العربية.
الحرب العالمية الأولى: انخراط رسمي في العمل الاستخباراتي
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، انهارت “واجهة الباحثة” وظهر الدور الحقيقي. انتقلت بيل إلى القاهرة حيث انضمت إلى مكتب الاستخبارات البريطاني الذي ترأسه آنذاك توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب).
كانت مهمتها الأساسية:
تحليل الولاءات القبلية.
تحديد نقاط الضعف في الجيش العثماني.
رسم خرائط لخطوط الإمداد والمسالك الصحراوية.
تقديم تقديرات عن القوى العربية الصاعدة.
من هنا بدأ دورها التحويلي: فقد أصبحت مصدر قرار في وضع الاستراتيجية البريطانية بالشرق الأوسط، وليست مجرد باحثة.
صنع العراق الجديد: أكبر عمليات الهندسة السياسية في القرن العشرين
بعد سقوط بغداد 1917، كانت بيل من أهم الشخصيات التي اعتمد عليها المندوب السامي البريطاني سير برسي كوكس في إدارة العراق. لعبت دورًا مباشرًا في:
أولاً: رسم حدود العراق الحديث
دمجت بيل ثلاث ولايات عثمانية مختلفة ومتصارعة أحيانًا:
البصرة . . بغداد . . الموصل
ووضعت تصوّرًا “حديثًا” – كما وصفته بريطانيا – لدولة تجمع العرب سنة وشيعة مع الأكراد والأقليات. لكن هذا الدمج لم يستند إلى معايير اجتماعية أو تاريخية بقدر ما كان يستند إلى مصلحة بريطانيا في ضمان دولة غنية بالنفط وتحت نفوذها المباشر.
ثانيًا: صناعة النظام السياسي
دفعت بيل بقوة نحو تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق عام 1921. كانت ترى أن فيصل شخصية يمكن أن يتعاون مع بريطانيا ويحافظ على المصالح البريطانية مقابل دعم عرشه.
كتبت في إحدى رسائلها:
“نحن نصنع ملكًا وبلدًا في آن واحد.”
هذه العبارة تجسد بوضوح حقيقة الدور. فبيل لم تكن شاهدة على الأحداث، بل كانت مهندستها.
ثالثًا: صياغة الإدارة والقوانين
شاركت في تأسيس:
مجلس الوزراء
الوزارات الحديثة
الشرطة
بعض النظم القانونية
إدارة النفط
كانت تمارس سُلطة شبه مطلقة خلف الكواليس، حتى أن العراقيين أطلقوا عليها لقب “الخاتون” أي السيدة الحاكمة.
النفوذ النفطي: البعد الخفي في مشروع بيل
كشفت مراسلات بيل أن النفط كان أحد دوافعها الأساسية. كانت مقتنعة بأن العراق يمتلك احتياطات ضخمة (وقد كانت على حق)، وأن بريطانيا يجب أن تضمن السيطرة على المناطق النفطية، وخاصة الموصل.
لذلك أصرت في تقاريرها على:
ضم الموصل للعراق وليس لتركيا.
تأسيس شركات نفط بريطانية بامتيازات طويلة الأمد.
جعل بريطانيا القوة الأمنية الضامنة لتدفّق النفط.
هذا الدور يجعلها جزءًا رئيسيًا من مخطط السيطرة الاقتصادية وليس فقط هندسة سياسية.
علاقتها بالقبائل: شبكات نفوذ استخبارية
عرفت بيل شيوخ القبائل معرفة شخصية. كانت تستقبلهم، تعطي بعضهم هدايا، وتؤثر في مواقفهم. كانت تجمع معلومات دقيقة عن:
تحالفاتهم
خصوماتهم
مواردهم
مواقفهم من بريطانيا
هذه المعلومات قُدِّمت مباشرة إلى الاستخبارات البريطانية وأسهمت في رسم سياسات “الاحتواء” التي مارستها بريطانيا في العراق والجزيرة.
وهو ما يضع بيل ضمن العمل الاستخباري طويل المدى أكثر من كونها مجرد وسيطة ثقافية.
تأثيراتها السلبية طويلة الأمد
قرارات بيل كانت لها آثار ما زالت المنطقة تعيشها اليوم:
حدود مصطنعة خلقت توترات سياسية.
دولة مركزية غير متوازنة.
إهمال مطالب الأكراد.
صعود نخب مرتبطة بالاستعمار.
تكوين جيش ونظام سياسي على النموذج البريطاني، دون مراعاة البنية الاجتماعية.
يرى بعض الباحثين أن بيل – دون قصد أو بقصد – ساهمت في تأسيس “قابلية الانفجار” السياسية التي عرفها العراق في العقود التالية.
نهاية صاخبة ووفاة غامضة
توفيت بيل في بغداد عام 1926 بجرعة زائدة من المنوّم. اختلفت الروايات حول سبب الوفاة:
انتحار أم خطأ في الجرعة ، أم إرهاق نفسي بعد تراجع نفوذها
لكنها دُفنت في العراق، البلد الذي ساهمت بشكل كبير في رسم حدوده ومساره السياسي.
