القائمة

على هامش الحياة… يسقط الضوء ويبقى الصمت

غرفة الأخبار 3 أشهر مضت 0 7.8 ألف

د. ماجدة محمود… تكتب

في لحظة ما، بعيدًا عن صخب الأسماء وبريق المناصب، ينطفئ كل شيء فجأة، كأن الحياة كانت مسرحًا أُسدلت ستائره دون إنذار، وترك أبطاله وحدهم في العتمة، بلا تصفيق ولا جمهور، بلا حتى يد تمتد لتربّت على أكتافهم المرتعشة. هذه ليست مجرد كلمات عابرة، بل قصة حقيقية لمصري عاش سنوات عمره في هولندا، كان يومًا ناجحًا، حاضرًا، يداوي الناس ويخفف آلامهم، ثم انتهى به الحال إلى عزلة قاسية تكشف الوجه الآخر للحياة حين تسقط الأقنعة.

القصة ليست عن المرض بقدر ما هي عن الوحدة التي تسبقه وتبقى بعده، تلك الوحدة التي تنهش ما تبقى من إنسان، وتكشف كم كنا مخدوعين ونحن نظن أن القوة في الظهور لا في البقاء، وأن القيمة في الضوء لا في من سيظل بجوارك عندما ينطفئ.

كم هو موجع أن يتحول إنسان عاش عمره يداوي الناس ويخفف آلامهم إلى جسد منسي على سرير بارد، لا يجد من يغير له ثيابه ولا من يلحظ وجعه الصامت، ليس لأن العالم قاسٍ بطبعه، بل لأن بعضنا اختار أن يكون كذلك، اختار أن يستبدل الود بالمصلحة، والوفاء بالانشغال، والإنسان بالمكانة، فصار كل شيء حوله مؤقتًا حتى العلاقات، وكأن القلوب يمكن استبدالها كما تُستبدل المناصب.

المأساة الحقيقية ليست في أن يُصاب الإنسان بالزهايمر، بل أن يُصاب من حوله بالنسيان قبله، أن يغيب من كانوا يومًا الأقرب، وأن يصبح وجوده عبئًا في حياة من شاركهم عمره، فيُترك لقدر بارد لا يعرفه، ولأيدٍ تؤدي واجبها بلا قلب، لأن من كان يجب أن يهتم… لم يعد يهتم.

هناك من عاش حياته يظن أن “تحويشة العمر” هي مال يُدخر أو اسم يلمع أو نفوذ يُخشى، ولم يدرك أن التحويشة الحقيقية كانت في القلوب، في تلك اللحظات التي كان يمكن أن يمنح فيها حبًا صادقًا ولم يفعل، في الزيارات التي أُجلت حتى اختفت، في الناس الذين ابتعدوا لأنه لم يتمسك بهم، ظنًا منه أنهم سيبقون مهما فعل، حتى جاء الوقت الذي لم يبق فيه أحد.

ثم تأتي اللحظة التي لا ينفع فيها شيء، حين يحتاج إنسانًا ولا يجد، حين يبحث في ذاكرته الممزقة عن وجه مألوف فلا يظهر إلا الفراغ، حين يتحول إلى مجرد اسم في ملف أو رقم في غرفة، وحين يكتشف متأخرًا أن كل ما سعى إليه لم ينقذه من هذا المصير، وأن ما أهمله هو ما كان يمكن أن ينقذه.

الندم لا يأتي صاخبًا، بل يتسلل هادئًا كليل ثقيل، يجثم على الصدر دون أن يرحل، يأتي بعد أن تُغلق كل الأبواب، وبعد أن يصبح الاعتذار بلا عنوان، والرجوع بلا طريق، فيجلس الإنسان مع نفسه، يراجع ما تبقى، فيكتشف أنه خسر الناس الذين كانوا الحياة نفسها، وخسر الحب الذي كان يمكن أن يدفئ وحدته، وخسر نفسه وهو يطارد وهمًا لم يبق منه شيء.

في النهاية لا أحد ينجو بمفرده، ولا أحد يحتمي بما جمعه إذا لم يجد من يحتويه، فالحياة ليست بما نملك بل بمن يبقى، ليست بما نُظهره بل بمن يعرفنا ونحن بلا شيء، لأن الضوء مهما طال سينطفئ، وعندها فقط سنعرف الحقيقة القاسية… من كان معنا حقًا، ومن كنا نظنه معنا ولم يكن

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *