القائمة

شَقْرَاء فِي نَفَقِ اَلْمِتْرُو

غرفة الأخبار 3 سنوات مضت 0 9.4 ألف

قصة قصيرة بقلم | سعيد السبكي

تَسَرُّبَ اَلْمَلَلِ لِنَفْسِ ” دِيرْكْ ” حَارِسِ اَلْأَمْنِ فِي غُرْفَةِ اَلْمُرَاقَبَةِ بِمَحَطَّةِ مِتْرُو رُوتَرْدَامْ اَلْمَرْكَزِيَّةَ . . اَلسَّاعَةُ اَلثَّانِيَةُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اَللَّيْلِ وَبَدَا حَتَّى اَللَّحْظَةِ أَنَّهَا لَيْلَةٌ هَادِئَةٌ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَزِيدٌ مِنْ اَلْقِطَارَاتِ فِي ذَلِكَ اَلْوَقْتِ اَلْمُتَأَخِّرِ، بِالنِّسْبَةِ لـ ” دِيرْكْ ” كَانَ هَذَا مُنَاخًا مثاليًا ! فَهُوَ يَكْسِرُ حِدَّةَ اَلْمَلَلِ بِاللَّعِبِ عَلَى هَاتِفِهِ، وَفِي بَعْضِ اَلْأَحْيَانِ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى شَاشَاتِ اَلْمُرَاقَبَةِ يُشَاهِدُ مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ أَيُّ شَيْءٍ قَدْ حدَث مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ أَوْ يَسْتَدْعِي اَلتَّدَخُّلُ .

تَمْتَمَ مُحْدِثًا نَفْسُهُ : يَا إِلَهِي . . هَذِهِ اَللِّعْبَةِ لَعِبَتْهَا مَرَّاتٌ وَمَرَّاتٌ وَعَلَى اَلرَّغْمِ أَنِّي أَصْبَحَتْ مُتَمَرِّسٌ عَلَيْهَا إِلَّا أَنَّ تِكْنُولُوجْيَا هَذَا اَلْمُوبَايِل اَللَّعِينِ تَهْزِمُنِي كَثِيرًا، وَضْعُ اَلْهَاتِفِ عَلَى اَلطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ وَهَبَ وَاقِفًا لِإِعْدَادِ كُوبِ نَاسَكَافِيَّهْ يُسَاعِدُهُ عَلَى أَلَّا يَنَامَ وَيَسْتَكْمِلُ نَوْبَةَ عَمَلِهِ اَلَّتِي تَنْتَهِي فِي اَلسَّادِسَةِ صَبَاحًا . . وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى رِوَايَةٍ مِنْ اَلْخَيَالِ اَلْعِلْمِيِّ، كَانَ قَدْ حَاوَلَ قِرَاءَتَهَا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهَا، قَرَأَ آخِرٌ صَفْحَةٍ كَانَ قَدْ تَوَقَّفَ عِنْدَهَا مِنْ قَبْلُ لِيَسْتَعِيدَ أَحْدَاثَهَا، وَجَاءَتْ سُطُورَهَا اَلتَّالِيَةَ تَرْوِي : عَدِيدٌ مِنْ تَكَهُّنَاتِ خُبَرَاءِ عُلُومِ اَلْفَلَكِ تَصِفُ اَلسَّاعَةُ اَلثَّالِثَةُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اَللَّيْلِ بِأَنَّهَا اَلْوَقْتُ اَلَّذِي يَكُونُ فِيهِ جَسَدُ اَلْإِنْسَانِ فِي أَضْعَفَ حَالَاتِهِ، وَتَكَوُّنَ رُوحِهِ مُعَرَّضَةً لِلْهُجُومِ مِنْ اَلشَّيَاطِينِ وَالْكَائِنَاتِ غَيْرِ اَلْأَرْضِيَّةِ، وَأَنَّ اَلْفَتْرَةَ اَلزَّمَنِيَّةَ مِنْ عَامِ 2019 وَحَتَّى نِهَايَةِ 2024 سَيَشْهَدُ اَلْعَالَمُ فِيهَا اِنْتِشَارُ وَبَاءِ مُدَمِّرٍ وَحُرُوبٍ وَزَلَازِلَ وَفَيَضَانَاتٍ سَتَتَسَبَّبُ فِي كَوَارِثَ وَتَحْصُدُ مِئَاتِ اَلْآلَافِ مِنْ اَلْبَشَرِ .

نَظَرُ ” دِيرْكْ ” إِلَى سَاعَتِهِ يَسْتَطْلِعُ اَلْوَقْتُ وَجَدَهَا اَلثَّالِثَة فَدُبُّ اَلْخَوْفِ فِي نَفْسِهِ ، وَقَطَعَتْ اَلرَّهْبَةُ اِسْتِمْتَاعَهُ بِخِدْمَتِهِ اَللَّيْلِيَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ هَادِئَةً فِي اَلْعَادَةِ وَكَانَ بِإِمْكَانِهِ اَلِاسْتِرْخَاءُ دُونَ اَلْقَلَقِ بِشَأْنِ وُجُودِ حَشْدٍ مُرْهِقٍ . وَغَالِبًا مَا كَانَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ اَلرَّاحَةِ وَيَتَنَاوَلُ وَجْبَةً خَفِيفَةً مِنْ آلَةِ اَلْبَيْعِ اَلْأُوتُومَاتِيكِيَّةِ أَوْ يَأْخُذُ قَيْلُولَةً فِي غُرْفَةِ اَلِاسْتِرَاحَةِ حِينَمَا يُبَادِلُهُ زَمِيلُهُ اَلْمُرَاقَبَةُ .

كَانَ يُحِبُّ عَلَيْهِ أَيْضًا اَلْقِيَامَ بِجَوْلَةٍ فِي اَلْمَحَطَّةِ لِمَعْرِفَةِ مَا إِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ . وَفِي اَلْمُنَاسَبَاتِ اَلنَّادِرَةِ عِنْدَمَا يَحْدُثُ شَيْءَ مَا، كَانَ دَائِمًا عَلَى اِسْتِعْدَادٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ اَللَّيْلَةَ لَمْ تَكُنْ مِثْلٌ أَيِّ لَيْلَةٍ أُخْرَى .

فَجْأَةُ رَأَى عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ شَاشَاتِ اَلْمُرَاقَبَةِ اِمْرَأَةً شَقْرَاء شَابَّةً تَمْشِي عَلَى اَلرَّصِيفِ . ثُمَّ لَاحَظَ شَيْئًا غَرِيبًا، فَرْكُ عَيْنَيْهِ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ مَا يَرَاهُ حَقِيقِيٌّ، عَلَى اَلْفَوْرِ أَمْسَكَ بِجِهَازِ اَلِاتِّصَالِ اَللَّاسِلْكِيِّ اَلْخَاصِّ بِهِ وَنَبَّهَ اَلْحُرَّاسُ اَلْآخَرِينَ . وَهُوَ اَلْآنُ فِي حَالَةِ تَأَهُّبِ قُصْوَى وَمُسْتَعِدٍّ لِاِتِّخَاذِ اَلْإِجْرَاءَاتِ اَللَّازِمَةِ إِذَا لَزِمَ اَلْأَمْرُ . لَقَدْ أَبْقَى عَيْنَيْهِ عَلَى اَلْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّهَا تَهْتَمُّ بِشُؤُونِهَا اَلْخَاصَّةِ . كَانَ مُرْتَاحًا، لَكِنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ حَذِرًا . وَوَاصَلَ اَلْقِيَامُ بِدَوْرِيَّاتٍ فِي اَلْمَحَطَّةِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ . لَقَدْ كَانَ مُمْتَنًّا لِأَنَّ اَلنُّوبَةَ اَللَّيْلِيَّةَ كَانَتْ هَادِئَةً فِي مُعْظَمِهَا، لَكِنَّهُ كَانَ أَيْضًا مُسْتَعِدًّا لِلْأَحْدَاثِ غَيْرِ اَلْمُتَوَقَّعَةِ . لَقَدْ كَانَ يَقِظًا وَمُتَنَبِّهًا وَمُسْتَعِدًّا لِاِتِّخَاذِ أَيِّ إِجْرَاءٍ إِذَا لَزِمَ اَلْأَمْرُ . عِنْدَمَا نَظَرَ عَنْ كَثَبٍ، رَأَى شَيْئًا عَنْهَا جَعْلَهُ شَاحِبًا . هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ! اِتَّصَلَ بِالشُّرْطَةِ عَلَى اَلْفَوْرِ !

وَصَلَتْ اَلشُّرْطَةُ بَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ مِنْ مُكَالَمَةٍ ” دِيرْكْ ” . لَكِنْ عِنْدَمَا أَظْهَرَ لَهُمْ اَللَّقَطَاتُ، أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ يُمْكِنُهُمْ فِعْلُهُ، عَلَى اَلْأَقَلِّ حَتَّى اَلْآنَ . وَلَا يَبْدُو أَنَّ اَلْمَرْأَةَ اَلَّتِي رَآهَا فِي خَطَرٍ مُبَاشِرٍ، وَلَمْ تُعَدْ مَوْجُودَةً عَلَى رَصِيفِ اَلْمَحَطَّةِ .

تَنَهُّدُ ” دِيرْكْ ” وَشَعَرَ بِالْعَجْزِ قليلًا . كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ اَلْمُرِيحِ مُرَاقَبَةَ مِتْرُو اَلْأَنْفَاقِ ليلًا، وَلَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا لِحَالَاتِ اَلطَّوَارِئِ أَوْ اَلْمَوَاقِفِ اَلْغَرِيبَةِ مِثْلٍ هَذِهِ . وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى اِسْتِعْدَادٍ لِاِتِّخَاذِ اَلْإِجْرَاءَاتِ اَللَّازِمَةِ إِذَا لَزِمَ اَلْأَمْرُ . لَقَدْ قَامَ بِتَدْوِينِ مُذَكِّرَةٍ ذِهْنِيَّةٍ لِمُرَاقَبَةِ اَلْمَرْأَةِ حَالَ عَوْدَتِهَا مَرَّةً أُخْرَى .

كَمَا حَرَصَ عَلَى فَحْصِ اَلْكَامِيرَاتِ اَلْأَمْنِيَّةِ وَمَخَارِجُ اَلْمَحَطَّةِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ أَيِّ خَطَأٍ . كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى اَلْحِفَاظِ عَلَى اَلْمَحَطَّةِ آمِنَةً . كَمَا ذَكَرَ نَفْسَهُ أَيْضًا بِالْبَقَاءِ يَقِظًا وَالِاتِّصَالُ بِالشُّرْطَةِ إِذَا رَأَى أَيَّ شَيْءٍ مُرِيبٍ مَرَّةً أُخْرَى . أَخْذُ دِيرْكْ وَظِيفَتُهُ عَلَى مَحْمَلِ اَلْجِدِّ وَرَاقَبَ اَلْمَزِيدُ مِنْ اَلْأَحْدَاثِ اَلْغَرِيبَةِ . وَرَاقَبَ عَنْ كَثَبِ اَلْكَامِيرَاتِ اَلْأَمْنِيَّةِ وَمَخَارِجُ اَلْمَحَطَّةِ وَأَبْلَغَ عَنْ أَيِّ نَشَاطٍ مَشْبُوهٍ عَلَى اَلْفَوْرِ . لَكِنَّ دِيرْكْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا غَرِيبًا جِدًّا كَانَ يَحْدُثُ هُنَا . . .

اِسْتَيْقَظَ دِيرْكْ مِنْ غَفْوَةٍ دَاهَمَتْهُ إِثْرَ بَلُولَة قَهْوَةً اَلنَّاسْكَافِيَّهْ اَلَّتِي اِنْسَكَبَتْ عَلَى مَلَابِسِهِ، وَحَوَّلَتْ لَوْنَ وَرَقِ رِوَايَةِ اَلْخَيَالِ اَلْعِلْمِيِّ مِنْ اَلْأَبْيَضِ لِلْأَصْفَرِ اَلْمَائِلِ لِلَّوْنِ اَلْبُنِّيِّ ، وَلَا يَعْلَمُ كَمٌّ مِنْ اَلْوَقْتِ اِسْتَغْرَقَ فِي نَوْمِهِ، وَتَمْتَمَ مَرَّةً أُخْرَى مُحْدِثًا نَفْسُهُ : يَا إِلَهِي . . هَلْ أَنَا عَلَى مَا يُرَامُ؟ . . هَلْ كَانَ هَذَا حُلْمًا أَمْ حَقِيقَةً؟

. . نَظَرُ دِيرْكْ عَلَى شَاشَاتِ اَلْمُرَاقَبَةِ اَلَّتِي تَحَوَّلَتْ كُلَّهَا إِلَى تِلْكَ اَلْفَتَاةِ اَلشَّقْرَاءِ وَهِيَ تَسِيرُ هَذِهِ اَلْمَرَّةِ عَلَى قُضْبَانِ سِكَّةِ اَلْمِتْرُو، اِنْتَفَضَ مِنْ اَلْخَوْفِ وَأَمْسَكَ تِلِيفُونُهُ لِيَتَّصِلَ بِالشُّرْطَةِ اَلَّتِي أَتَتْ خِلَالَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ بِرُفْقَةَ زُمَلَاءَ لَهُ، تَفَحَّصُوا شَاشَاتُ اَلْمُرَاقَبَةِ وَخُطُوطِ اَلْمِتْرُو فَلَمْ يِجْدُو أَيْ أَثَرٍ لِفَتَاةٍ شَقْرَاءَ، قَائِدُ اَلشُّرْطَةِ قَالَ لَهُ أَنْتَ تُعَانِي مِنْ إِرْهَاقِ يَا دِيرْكْ، سَلَّمَ مَا تَبَقَّى مِنْ سَاعَاتِ نَوْبَتَكَ لِزَمِيلِ آخِرِ اذَهْبْ لِلرَّاحَةِ فَأَنْتَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهَا .

غَادَرَ دِرِيكْ اَلْمَحَطَّةُ وَمَا أَنْ اِسْتَقَلَّ سَيَّارَتَهُ عَائِدًا لِبَيْتِهِ فَدَقَّ جَرَسُ هَاتِفِهِ وَاسْتَمَعَ عَلَى اَلْجَانِبِ اَلْآخَرِ صَوْتَ فَتَاةٍ تَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ تَقُولُ لَهُ : دِيرْكْ أَنَا اَلشَّقْرَاءُ مِنْ اَلْعَالَمِ اَلْآخَرِ .

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *