القائمة

سوء الظن | حين يتحول الشك إلى معولٍ يهدم ما لا يُبنى بسهولة

غرفة الأخبار 3 أشهر مضت 0 2.5 ألف

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الإجتماعي جزء أساسي من حياة البشر وتتسارع فيه العلاقات وتتشابك المصالح، لم يعُد الخطر الأكبر على الروابط الإنسانية هو الخلاف الصريح، بل ذلك العدو الخفي الذي يتسلل في صمت:

سوء الظن يبدأ فى أحيان كثيرة كفكرة عابرة، أو إحساس غامض، لكنه سرعان ما يتحول إلى عدسة مشوهة نرى من خلالها كل شيء، فنفسّر الكلمات بغير معناها، ونحمّل التصرفات ما لا تحتمل.

المشكلة في سوء الظن أنه لا يحتاج إلى دليل، بل يعيش ويتغذى على الفراغ. كل غيابٍ يُفسَّر تجاهلًا، وكل صمتٍ يُترجم استعلاءً، وكل تأخرٍ يُؤوَّل خيانة. وهنا تتحول العلاقة من مساحة أمان إلى ساحة تحقيق، ومن دفء الثقة إلى برودة الشك.

الأخطر من ذلك هو أن سوء الظن لا يُدمّر العلاقة فجأة، بل يفعل ذلك ببطء قاتل. يبدأ بتراجع في العفوية، ثم يقلّ البوح، ثم يحتلّ الحذر مكان الطمأنينة. ومع مرور الوقت، يصبح الطرفان غريبين تحت سقف واحد، أو صديقين سابقين لا يجمعهما سوى الذكريات.

في كثير من الأحيان، لا يكون الطرف الآخر مُخطئًا أصلًا، لكننا نُحاكمه بناءً على تصوراتنا نحن، لا على أفعاله. وهنا يكمن الخلل: حين تتحول الظنون إلى حقائق في أذهاننا، دون أن تمرّ على بوابة التحقق أو الحوار.

ولعل المفارقة أن الإنسان الذي يُسيء الظن يعتقد أنه يحمي نفسه من الخذلان، بينما هو في الحقيقة يهدم بنفسه الجسر الذي كان يمكن أن يعبر عليه الآخرون نحوه. فالثقة لا تُبنى بالرقابة، ولا تُحفظ بالتشكيك، بل تُصان بحُسن النية، والشفافية، والقدرة على منح الأعذار.

إن أخطر ما في سوء الظن أنه يُفقدنا القدرة على رؤية الخير في الآخرين، ويزرع فينا قسوة تجعلنا نختار الهدم بدل الفهم، والابتعاد بدل التقارب. وفي عالمٍ يحتاج إلى مزيد من الروابط الإنسانية الصادقة، يصبح حسن الظن ليس رفاهية أخلاقية، بل ضرورة إنسانية.

التحذير هنا واضح: إن لم نضبط بوصلتنا الداخلية، ونُحسن قراءة من حولنا، فإننا سنخسر علاقات رُبما لا تعوّض. فليس كل صمتٍ إهمالًا، ولا كل غيابٍ خذلانًا، ولا كل اختلافٍ خيانة.

في النهاية، العلاقات التي تُبنى على حُسن الظن تعيش أطول، وتتحمل أكثر، لأنها تقوم على أرضية صلبة من الثقة. أما تلك التي يُنهشها الشك، فلا تحتاج إلى عدو… فهي تسقط من داخلها.

فلننتبه… قبل أن نكتشف متأخرين أننا خسرنا أشخاصًا لم يُخطئوا، بل أخطأنا نحن حين أسأنا الظن بهم.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *