عماد حنا: السفارة سُلطة تنفيذية وأبناء الجالية يمثلون السلطة التشريعية.. ولجنة لحل مشكلات التجنيد تصل في ديسمبر المقبل
امستردام – سعيد السبكي
في لقاء حمل طابعاً مُختلفاً عن اللقاءات التقليدية بين المسؤولين وأبناء الجاليات، عقد مجلس الجالية المصرية في هولندا مؤتمراً لأبناء الجالية المصرية، استضاف خلاله السفير المصري لدى مملكة هولندا عماد حنا، إلى جانب عدد من أعضاء السفارة والقنصلية المصرية، في إطار حوار مفتوح تناول عدداً من الملفات التي تهم المصريين المقيمين في هولندا، إلى جانب العلاقات المصرية الهولندية وتطوراتها خلال المرحلة الراهنة.
وجاء اللقاء ليضع عدداً من القضايا التي تشغل أبناء الجالية على مائدة النقاش المُباشر مع مُمثلي الدولة المصرية، وفي مُقدمتها الخدمات القنصلية، ومُشكلات التجنيد، والتواصل مع الأجيال الجديدة من المصريين في الخارج، فضلاً عن الملفات الاقتصادية والاستثمارية والعلاقات الثنائية بين القاهرة ولاهاي.
«كشف حساب» أمام أبناء الجالية
وفي كلمته أمام الحضور، قدّم السفير عماد حنا عرضاً لما وصفه بـ«كشف حساب» حول أداء السفارة والجهود التي بذلتها خلال الفترة الماضية، موضحاً رؤيته لطبيعة العلاقة بين السفارة وأبناء الجالية.
وقال السفير إن السفارة تمثل السُلطة التنفيذية، بينما يمثل أبناء الجالية، في تعبيره، السُلطة التشريعية، باعتبار أن السفارة تستمع إلى مُقترحاتهم ونصائحهم وطلباتهم، وهو ما يفتح المجال أمام علاقة تقوم على التواصل والاستماع المتبادل، وليس فقط على تقديم الخدمات القنصلية.
ويعكس هذا الطرح، بحسب ما ظهر خلال اللقاء، رغبة في تحويل التواصل مع المصريين في هولندا إلى مساحة أوسع للحوار حول احتياجاتهم ومشكلاتهم، خصوصاً أن الجالية المصرية تضم أجيالاً مُختلفة، بينها من عاش مُعظم حياته في هولندا، وبينها أجيال شابة ولدت أو نشأت في المجتمع الهولندي مع احتفاظها بصلاتها بمصر.
ملف التجنيد.. لجنة في ديسمبر
وحظي ملف التجنيد باهتمام خاص خلال اللقاء، في ظل ما يمثله هذا الملف من أهمية بالنسبة إلى عدد من أبناء الجالية المصرية في الخارج، وخاصة الشباب الذين يواجهون إجراءات أو أوضاعاً تتطلب التواصل مع الجهات المُختصة في مصر.
وأشار السفير عماد حنا إلى أن شهر ديسمبر المقبل سيشهد قدوم لجنة مختصة للعمل على حل مشكلات التجنيد، بما يتيح لأبناء الجالية الاستفادة من وجود الجهات المعنية والتقدم بمشكلاتهم.
كما أوضح أن أبناء الجالية المقيمين في هولندا سيكون بإمكانهم، وفق الترتيبات المشار إليها خلال اللقاء، التوجه إلى العاصمة الفرنسية باريس للتقدم بطلبات تتعلق بحل مشكلات التجنيد، وهو ما يُمثل محاولة لتسهيل الإجراءات على المصريين في أوروبا بدلاً من اضطرارهم إلى السفر إلى مصر لإنهاء بعض المعاملات.
يظل هذا الملف من الملفات التي تحتاج إلى متابعة عملية من جانب أبناء الجالية خلال الفترة المُقبلة، خاصة مع اقتراب الموعد الذي أشار إليه السفير، لمعرفة الإجراءات والمُستندات ومواعيد استقبال الطلبات وآليات التعامل مع الحالات المختلفة.
مصر تتغير.. والبنية التحتية في مقدمة المشهد
تطرق السفير عماد حنا خلال حديثه إلى التطورات الداخلية في مصر، مُركزاً بصورة خاصة على مشروعات البنية التحتية والمرافق العامة.وأشار إلى ما تشهده مصر من توسع في شبكة الطرق والكباري والمشروعات المرتبطة بالبنية الأساسية، مؤكداً أن وتيرة التغيير في مصر أصبحت سريعة، وأن التطورات لا تتوقف على مدار اليوم.
ودعا، في هذا السياق، المصريين المقيمين في الخارج إلى متابعة ما يجري على أرض الواقع، مؤكداً أن كل من يزور مصر يستطيع أن يلمس بنفسه جانباً من هذه التطورات والتغيرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
تأتي هذه الرؤية في وقت أصبحت فيه مشروعات البنية التحتية واحدة من أبرز الملفات التي تقدمها الدولة المصرية في خطابها الاقتصادي والتنموي، سواء فيما يتعلق بشبكات الطرق والنقل أو المرافق والخدمات العامة.
العلاقات المصرية الهولندية.. تعاون يتجاوز الإطار السياسي
كما تناول السفير المصري مستوى العلاقات بين مصر وهولندا، مشيراً إلى تطور العلاقات بين البلدين في عدد من المجالات والقطاعات.ولم يقتصر الحديث على العلاقات السياسية والدبلوماسية، وإنما امتد إلى مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري وغيرها من القطاعات التي يمكن أن تشكل أرضية لمزيد من التعاون بين البلدين.
وفي هذا السياق، أشار حنا إلى أن مصر تشهد زخماً في الاستثمارات الأجنبية القادمة من دول مُختلفة حول العالم، رغم الظروف الإقليمية الصعبة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط.وتحدث كذلك عن تأثير التطورات الإقليمية على الاقتصاد المصري، ومن بينها تراجع إيرادات قناة السويس، في ظل الظروف التي تشهدها المنطقة وما ترتب عليها من تحديات لحركة الملاحة والتجارة الدولية.
ورغم هذه التحديات، أشار السفير إلى استمرار الاهتمام الاستثماري بمصر، وهو ما يعكس، من وجهة نظره، استمرار جاذبية السوق المصرية وما تمتلكه من مقومات وفرص في عدد من القطاعات.
الجيلان الثاني والثالث رهان جديد على أبناء المصريين في الخارج..
من الملفات التي حظيت باهتمام واضح في حديث السفير عماد حنا قضية التواصل مع أبناء الجيلين الثاني والثالث من المصريين في هولندا. وأوضح أن هذا الملف يحظى باهتمام في ضوء توجيهات القيادة السياسية، مؤكداً أهمية التواصل مع الشباب المصري في الخارج، والتعرف إلى اهتماماتهم وتخصصاتهم، وفتح قنوات للحوار معهم.وأشار إلى لقاء عُقد حديثاً مع تسعة من الشباب المصريين من تخصصات مختلفة، لافتاً إلى أن بينهم شباباً يعملون أو يدرسون في مجالات علمية متقدمة، من بينها الطحالب والطاقة النووية.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها نموذجاً للتواصل بين السفارة والشباب المصري في الخارج، وإنما أيضاً بالنظر إلى ما تمثله الأجيال الجديدة من طاقات علمية ومهنية يمكن أن تشكل جسراً بين الخبرات المصرية والمجتمعات التي نشأت فيها هذه الأجيال.فالشاب المصري الذي ولد أو نشأ في أوروبا لا يمثل فقط امتداداً اجتماعياً للجالية، وإنما يمكن أن يصبح أيضاً حلقة وصل في مجالات العلم والاقتصاد والاستثمار والثقافة، إذا توافرت له قنوات اتصال فعالة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المصري.
سحر رمزي: إشادة بفترة السفير وتجديد مبنى السفارة
وكانت سحر رمزي قد افتتحت المؤتمر بكلمة أشادت خلالها بالفترة التي قضاها السفير عماد حنا في هولندا، متوقفة بصورة خاصة عند ما وصفته بالجهود المبذولة خلال فترة عمله.وأشادت رمزي كذلك بما شهدته السفارة المصرية في لاهاي من تجديد لمبناها، معتبرة أن الشكل الجديد للمبنى أصبح أكثر لياقة ومناسباً لطبيعة المؤسسة الدبلوماسية المصرية وما تمثله من واجهة للدولة المصرية في هولندا.
ويكتسب مبنى السفارة، بطبيعة الحال، أهمية تتجاوز كونه مقراً إدارياً، فهو يمثل الواجهة الرسمية لمصر أمام المواطنين المصريين في هولندا، وكذلك أمام المؤسسات والجهات الهولندية والدبلوماسية التي تتعامل مع السفارة.
من «كشف الحساب» إلى الشراكة مع الجالية
ولعل اللافت في المؤتمر لم يكن فقط الملفات التي طُرحت، وإنما أيضاً الطريقة التي حاول بها اللقاء أن يضع العلاقة بين السفارة والجالية في إطار أكثر اتساعاً.فالجالية المصرية في هولندا لم تعد كتلة واحدة متجانسة؛ إذ تضم مهاجرين من أجيال مختلفة، وأكاديميين وأطباء ومهندسين ورجال أعمال وصحفيين وطلاباً وشباباً نشأوا في هولندا، إلى جانب أبناء الجيل الأول الذين حافظوا على صلاتهم بمصر طوال عقود.
ومن هنا، فإن القضايا التي تهم هذه الجالية تتجاوز الخدمات القنصلية التقليدية لتشمل التعليم والعمل والاستثمار والهوية والتواصل الثقافي ومشاركة الشباب والعلاقات المصرية الهولندية.ويبدو أن ملف الجيلين الثاني والثالث تحديداً يمثل أحد التحديات الرئيسية أمام أي سياسة تستهدف الحفاظ على الصلة بين المصريين في الخارج ووطنهم الأم، خصوصاً مع اختلاف احتياجات هؤلاء الشباب عن احتياجات الجيل الأول.
حوار مفتوح ينتظر المتابعة
وخرج المؤتمر برسائل متعددة، من بينها التأكيد على استمرار التواصل بين السفارة وأبناء الجالية، والعمل على معالجة عدد من الملفات التي تهم المصريين في هولندا، وفي مقدمتها ملف التجنيد، إلى جانب الاهتمام بالشباب والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية المصرية الهولندية.
ويبقى الاختبار الحقيقي لأي «كشف حساب» هو ما يحدث بعد انتهاء المؤتمر: هل تتحول المطالب والمقترحات إلى إجراءات ملموسة؟ وهل يستطيع أبناء الجالية لمس نتائج مباشرة في الملفات التي تشغلهم؟أما الإعلان عن لجنة التجنيد المنتظر وصولها في ديسمبر، فيمثل موعداً عملياً يمكن من خلاله قياس مدى قدرة الحوار الدبلوماسي على الانتقال من مرحلة الاستماع إلى مرحلة الحلول.
وفي النهاية، فإن العلاقة بين السفارة والجالية لا تُبنى فقط من خلال اللقاءات الرسمية، وإنما من خلال استمرارية التواصل، ووضوح الإجراءات، وسرعة الاستجابة، وإشراك الأجيال الجديدة من المصريين في الخارج في صياغة جسور أكثر قوة بين مصر والمجتمع الهولندي.
