القائمة

حين تُكسر الدول باسم الحرية… لماذا نجت مصر وانهار غيرها؟

غرفة الأخبار 6 أشهر مضت 0 6.5 ألف

ماجدة محمود تكتب

العالم لا يعيش فوضى، بل يُدار بفوضى مقصودة. ما يجري ليس أخطاء في النظام الدولي، بل النظام نفسه وقد انكشف على حقيقته: قانون يُطبَّق على الضعفاء، ويُدهس حين يقترب من الأقوياء. دول تُحاصر، رؤساء يُستهدفون، جيوش تُفكك، وشعوب تُترك في العراء، بينما تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان كغطاء سياسي لهيمنة لا تعترف إلا بمصالحها. في هذا المشهد القاسي، تصبح الدولة التي لا تمتلك القوة والوعي مجرد ساحة مفتوحة، لا كيانًا يُحسب له حساب.

التدخل الأمريكي السافر في شؤون الدول لم يعد استثناءً، بل أصبح نهجًا معلنًا. ما يجري مع فنزويلا يعكس بوضوح عقلية الوصاية الدولية، حيث تُستباح السيادة، وتُحاصر الشرعية، وتُدار الأزمات من الخارج دون أي احترام لإرادة الشعوب أو لمسارات قانونية حقيقية. هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة النموذج الأكثر دموية في تاريخ المنطقة الحديثة: العراق. دولة جرى تدميرها تحت ذريعة ثبت زيفها، جيشها فُكك عمدًا، ومؤسساتها أُسقطت، ثم تُرك شعبها يدفع ثمن قرار لم يتخذه. لم يكن الهدف إسقاط نظام، بل إسقاط فكرة الدولة ذاتها.

من يظن أن هذه الوقائع منفصلة واهم. نحن أمام مشروع واضح لتفكيك الدول الوطنية، يبدأ دائمًا بضرب الجيوش، لأن الجيش هو العمود الفقري لأي سيادة حقيقية. وحين يسقط الجيش، تسقط الدولة، وتُفتح الأبواب للفوضى، والطائفية، والتقسيم، وإعادة رسم الخرائط بما يخدم مصالح الخارج. الشرق الأوسط كان ولا يزال في قلب هذا المشروع، لكن الدائرة اتسعت، والعالم كله بات مرشحًا للابتزاز إن خرج عن خطوط النفوذ المرسومة.

في هذا السياق، لا يمكن فهم تجربة مصر بمعزل عن هذا المشهد. الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يتعامل مع الحكم كإدارة ملفات، بل كمعركة وجود. قرأ الخريطة الدولية بوضوح، وفهم أن الدولة التي لا تحمي نفسها تُفرض عليها الوصاية، وأن التنمية دون حماية وهم، والاستقرار دون ردع كذبة مؤقتة. لذلك كان قرار بناء وتسليح وتحديث الجيش المصري قرارًا استراتيجيًا صادمًا لمن راهنوا على إنهاك مصر أو جرّها إلى سيناريوهات التفكيك.

مصر لم تُسلّح لتعتدي، بل لتمنع أن تُعتدى. لم تبنِ جيشها لاستعراض القوة، بل لتغلق الباب أمام أي مغامرة خارجية أو داخلية. وفي وقت كانت فيه جيوش تُحلّ، ودول تُفرّغ من مضمونها، كانت مصر تعيد بناء جيشها كضمانة أخيرة لوجود الدولة نفسها. هذه الحقيقة وحدها تفسر حجم الهجوم السياسي والإعلامي الذي تعرضت له، لأن الدولة القوية تُقلق من اعتادوا إدارة المنطقة من خلف الستار.

وفي الداخل، لم تكن المعركة أقل شراسة. بناء دولة تحت ضغط اقتصادي وسياسي وإعلامي متواصل يتطلب قيادة تعرف ماذا تريد. نعم، هناك فساد، ولا دولة بلا أخطاء، لكن الفارق الجوهري أن الفساد في مصر لم يتحول إلى نظام حكم، بل ظل تحديًا يُواجه. الأخطر هو وجود قوى ما زالت تحاول التخفي داخل مفاصل الدولة، مستندة إلى إرث جماعة الإخوان الإرهابية، ترفع شعارات الوطنية بينما تعمل على إضعاف الدولة من الداخل، ويواكبها إعلام متلون فقد بوصلته المهنية، يخلط النقد المشروع بالتحريض، والمعارضة بالهدم.

هنا تتجلى خطورة اللحظة. معركة الوعي اليوم لا تقل خطورة عن أي حرب عسكرية. الكلمة المسمومة قد تفعل ما لا تفعله القنبلة، والتشكيك المنهجي أخطر من الحصار. دعم الدولة في هذه المرحلة ليس اصطفافًا أيديولوجيًا، بل إدراك لحقيقة أن مصر مستهدفة لأنها رفضت أن تكون تابعًا، ولأنها اختارت أن تمتلك قرارها في عالم لا يحترم إلا من يملك القوة.

التحية واجبة لرئيس تحمّل مسؤولية وطن كان على حافة الانهيار، ولم يساوم، ولم يطلب شهادة حسن سلوك من الخارج، بل اختار طريقًا صعبًا، مكلفًا، لكنه أنقذ الدولة من مصير كان يُعد لها. والتحية لرجال القوات المسلحة والشرطة، الذين يقفون حيث لا تُلتقط الصور، ولا تُكتب العناوين، يحرسون وطنًا يعرفون أن سقوطه يعني ضياع كل شيء.

اليوم، والعالم يتجه نحو حروب أوسع وانتهاكات أجرأ، لم يعد هناك مجال للوهم. الدول التي لا تستعد تُفكك، والتي لا تمتلك جيشًا تُدار، والتي لا تملك وعيًا تُخدع. مصر نجت لأنها فهمت المعادلة مبكرًا. ومن لا يدرك خطورة اللحظة الآن، سيفهمها حين لا ينفع الفهم. هذه ليست لحظة اختلاف سياسي… هذه لحظة بقاء دولة.
magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *