بقلم د.رامز ممدوح روحي
في الوقت الذي باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة يومية للنقاش، تحولت بعض التعليقات المتبادلة بين الشباب والحسابات المجهولة إلى تهديد مباشر للسلم الاجتماعي.
وهنا يبرز دور قانون ازدراء الأديان كأحد أهم أدوات الدولة لحماية الوحدة الوطنية.
يُعد قانون ازدراء الأديان أحد أبرز النصوص القانونية التي تنظم العلاقة بين حرية التعبير وحماية المشاعر الدينية والسلم الاجتماعي في مصر.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تطبيق هذا القانون أكثر حضوراً في قضايا تتعلق بتعليقات شبابية متبادلة تتضمن إهانات دينية، أو حسابات وهمية تُستخدم لإشعال الفتنة الطائفية.
الإطار القانوني يستند التجريم بشكل أساسي إلى المادة 98(و) من قانون العقوبات، التي تعاقب كل من يستغل الدين في الترويج لأفكار متطرفة أو يزدري أحد الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) بطريقة تمس الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي.
تتراوح العقوبة بين الحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات، أو الغرامة، أو كليهما.كما توجد مواد أخرى مرتبطة مثل المادة 160 التي تجرم التعدي على أماكن العبادة أو إهانتها، والمادة 161 المتعلقة بنشر كتب أو مطبوعات تمس الأديان.
وفي الفضاء الإلكتروني، يُطبق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يتيح ملاحقة المحتوى المنشور عبر الإنترنت إذا شكل جريمة.
موقف القانون من التعليقات المتبادلةعندما يتبادل بعض الشباب تعليقات تتضمن إهانة للأديان، سواء كانت مسيئة للإسلام أو المسيحية أو غيرها، فإن القانون لا ينظر إلى الأمر على أنه مجرد جدال شخصي.
إذا ثبت أن التعليق يمس أحد الأديان السماوية ويؤثر على السلم الاجتماعي أو يثير الفتنة، يصبح الفعل جريمة معاقباً عليها، بغض النظر عن كون الإساءة متبادلة.المحكمة تنظر إلى مضمون التعليق وتأثيره المحتمل، لا إلى نية الطرفين فقط. حتى لو كان الرد على سبيل الدفاع أو الرد بالمثل، فإن ذلك لا يبرر ارتكاب جريمة ازدراء الأديان. وقد صدرت أحكام سابقة في قضايا مشابهة على منصات التواصل بسبب منشورات أو تعليقات اعتُبرت مسيئة.الحسابات الوهمية وإشعال الفتنةيتعامل القانون بصرامة أكبر مع الحسابات الوهمية أو المجهولة التي تُنشأ خصيصاً لنشر محتوى يهدف إلى إثارة الفتنة الطائفية.
في هذه الحالة، يجتمع جريمتان غالباً: ازدراء الأديان من جهة، واستخدام وسائل تقنية للتحريض على التمييز أو إثارة الفتنة من جهة أخرى.
تتيح جهات التحقيق تتبع الحسابات عبر البيانات الفنية، وملاحقة من يديرها حتى لو كانت بأسماء مستعارة. ويُعتبر استخدام الحسابات الوهمية لإشعال الفتنة ظرفاً مشدداً في كثير من القضايا، لأنه يدل على قصد متعمد للإضرار بالسلم الاجتماعي.
التوازن المطلوب يؤكد القانون المصري على حماية المشاعر الدينية ومنع الفتنة، في الوقت الذي يشدد فيه الدستور على حرية الرأي والتعبير. غير أن التطبيق العملي يثير نقاشات مستمرة حول حدود حرية النقد الديني والجدل الفكري من جهة، وحماية السلم الأهلي من جهة أخرى.
في النهاية يبقى التحذير واضحاً: التعليقات المسيئة للأديان، سواء كانت متبادلة أو من حسابات وهمية، ليست مجرد آراء شخصية على الإنترنت، بل قد ترقى إلى جريمة جنائية يعاقب عليها القانون المصري. والوعي بهذا الإطار القانوني أصبح ضرورة في عصر التواصل الاجتماعي.
