تضع الأزمة الحالية حلف الناتو أمام اختبار غير مسبوق، بين تمسكه بطبيعته الدفاعية، وضغوط الولايات المتحدة لتوسيع دوره العسكري. وبين هذين المسارين، تبقى وحدة الحلف ومستقبله على المحك.
هدّد الرئيس الأمريكي Donald Trump بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكداً أنه “يفكّر جدياً” في سحب الولايات المتحدة من الحلف، وذلك على خلفية رفض عدد من الدول الأعضاء دعم بلاده في الحرب الجارية ضد إيران.
وفي مقابلة مع صحيفة The Telegraph البريطانية، وصف ترامب الناتو بأنه “نمر من ورق”، في إشارة إلى أنه يبدو قوياً ظاهرياً لكنه يفتقر إلى الفاعلية عند الاختبار الحقيقي، مضيفاً أن الرئيس الروسي Vladimir Putin “يدرك ذلك جيداً”.
وأشار ترامب إلى أن شكوكه بشأن مصداقية الحلف ليست جديدة، مؤكداً أنه اتخذ بالفعل قراراً بالانسحاب، وإن كان تنفيذه يظل محل نقاش داخلي.
ردود أوروبية حذرة
من جانبه، رد رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer سريعاً، مؤكداً أن بلاده تتصرف وفقاً لمصالحها الوطنية، ومشدداً على ضرورة تعزيز العلاقات مع أوروبا في مجالات الدفاع والطاقة والاقتصاد.
وبينما سمحت بريطانيا باستخدام قواعدها العسكرية للعمليات الأمريكية ضد إيران، وتعمل طائرات التزود بالوقود الأمريكية انطلاقاً من رومانيا، فإن الدعم العسكري الأوروبي لا يتجاوز هذا الحد حتى الآن.
وتعد إسبانيا من أكثر الدول انتقاداً للحرب، حيث أعلن رئيس الوزراء Pedro Sánchez رفض بلاده المشاركة في ما وصفه بأنه “أمر يضر بالعالم ويتعارض مع القيم والمبادئ”.
تصاعد التوتر والضغوط
وأعرب ترامب عن غضبه من غياب الدعم الأوروبي والكندي عبر منصته “Truth Social”، داعياً الدول الأوروبية إلى شراء النفط من الولايات المتحدة أو التوجه بنفسها إلى منطقة الخليج.
ويأتي ذلك في ظل استمرار تعطل صادرات الطاقة من الخليج، عقب اندلاع الحرب في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع فشل واشنطن حتى الآن في كسر الحصار الإيراني على مضيق هرمز.
الناتو بين الطابع الدفاعي والانقسام السياسي
يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس خلافاً جوهرياً داخل الحلف، إذ تؤكد عدة دول أوروبية أن الناتو منظمة دفاعية لا تتدخل إلا في حال تعرض أحد أعضائه لهجوم، وهو ما لا ينطبق على الحرب ضد إيران.
كما ترفض بعض الدول تقديم دعم عسكري مباشر أو فتح قواعدها بشكل أوسع للعمليات الأمريكية، ما يزيد من حدة التوتر داخل الحلف.
قيود قانونية داخل الولايات المتحدة
ورغم تهديدات ترامب، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الناتو يواجه عقبة قانونية، إذ أقر الكونغرس قانوناً يمنع الرئيس من اتخاذ هذه الخطوة دون موافقته، في إجراء استباقي تم تبنيه قبل عودته إلى السلطة.
تداعيات استراتيجية
يحذر محللون من أن مجرد التشكيك الأمريكي في الحلف قد يضعف قوته الردعية، التي تعتمد أساساً على الثقة المتبادلة بين أعضائه. كما أن تصريحات ترامب التي تقلل من شأن الناتو قد تمنح خصومه، وعلى رأسهم روسيا، إشارات سلبية بشأن تماسك التحالف.
في المقابل، يسعى الأمين العام للناتو Mark Rutte إلى احتواء الأزمة والحفاظ على وحدة الحلف، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والعسكرية.
خلفية التوتر
تعود علاقة ترامب المتوترة مع الناتو إلى ولايته الأولى، حيث انتقد مراراً ما اعتبره تقاعساً من الدول الأعضاء في الإنفاق الدفاعي. وخلال حملته الانتخابية عام 2024، صرّح بأن روسيا يمكن أن تهاجم دولاً لا تفي بالتزاماتها المالية داخل الحلف.
كما دفع في وقت لاحق نحو رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، في خطوة هدفت إلى تعزيز القدرات العسكرية للحلف، لكنها أثارت جدلاً واسعاً بين أعضائه.
