القائمة

انتحار الشبحنة ونهاية النخنخة:حين تبتلع الخطوط الحمراء أوهام النفوذ المستعار

Linda Seleem 18 ساعة مضت 0 3 ألف

بقلم د.ليندا سليم

شريط الذكريات لا يموت، والشارع لا ينسى، عندما خرج هذا الرجل من خلف القضبان بعفو رسمي، ثم وجد نفسه فجأة يتربع على عرش أكبر إمبراطورية أمنية خاصة في البلاد، ساد صمت ثقيل يشبه الذهول،وفي عمق الوجدان الشعبي، ثمة قناعة راسخة بأن مثل هذه التحولات الكبرى لا تحدث بالمجان، وأن غرف التوازنات المغلقة أعادت تدوير تاريخه الخشن ليصبح حارسًا للمال والمنشآت بمباركة محاسيب ظنوا أنهم فوق المساءلة،والمجتمع في باطنه رأى في هذا الصعود مأساة حقيقية؛ كيف يرتدي فرض السيطرة ثوب الشرعية؟ وهل تشتري ملايين الاستثمارات حصانة أبدية تتحدى منطق القانون؟

على المقلب الآخر، يقف المنطق البارد للدولة ليؤكد أن العواطف لا تدير الأوطان، بل تديرها لغة التوازنات وإخضاع القوة وفي عالم الواقع، قد تستوعب الأنظمة عناصر النفوذ التقليدية لإدخالهم في جوف المنظومة الرسمية للاقتصاد ليكونوا تحت أعين الرقابة اللصيقة وضمن حدود ملعب مرسوم بدقة و لم يمنحه أحد صكاً مفتوحاً، بل كُتب له عقد مشروط: ضع أموالك في السوق الرسمي، والتزم الصمت والظل، لكن التهور القاتل للرجل جعله يسيء فهم الفرصة، فخرج يستعرض رجاله وسلاحه في التجمع الخامس في وضح النهار، ليعيد إلى الأذهان أسوأ كوابيس البلطجة والترهيب، ظانّاً أن شبكته القديمة ستحميه من الحساب.

هذا التجرؤ العلني صدم هيبة السلطة وأحرج الأجهزة الرسمية، لأنه بدا كإعلان مبكر عن تأسيس دولة داخل الدولة وعندما فُتحت الصناديق المغلقة وتكشفت المضبوطات الصادمة من ترسانات الأسلحة ومقاطع التعذيب البشعة على الهواتف، أدرك الجميع أن هذا الكيان لم يعد مجرد بيزنس تجاري، بل تحول إلى مركز قوى وميليشيا موازية تهدد السلم العام وهنا سقطت الأقنعة وتلاشت الحماية في لحظات؛ تبرأ منه الجميع، وجاء الرد السيادي حاسماً بتجميد الممتلكات والمنع من السفر والإيداع خلف السجون و

المجتمع اليوم يقف أمام الستار الذي أُسدل، مشحوناً بالأسئلة العميقة حول كواليس المال والوجاهة المستعارة و الخوف الكامن في النفوس ليس من سقوط الشخص الذي سُحق في أيام معدودة، بل من فكرة المال الحرام حين يبحث عن ممرات سرية تحت الترابيزة و لكن المشهد الختامي قطع الشك باليقين، وأرسل رسالة بالغة القسوة لكل حيتان الظل: لا حصانة لأحد، والدولة هي الكيان الوحيد الذي يحتكر القوة، وأي يد تمتد لتنازعها هذه السيادة تُبتر بلا تردد.

المعالجة الحقيقية لظاهرة نخنوخ وشاكلته لا تكمن فقط في إسقاط الرؤوس بعد طغيانها، بل في تجفيف المنابع التي تصنعهم وتمنحهم الأكسجين و إن تحصين المجتمع يتطلب إغلاق الدوائر الخلفية التي تسمح لـ “المال الجريء” بشراء النفوذ أو اختراق مؤسسات الرقابة و العلاج الجذري يتطلب تصفية منظومة “المحاسيب”، ورفع يد أي شبكة تحاول حماية المنحرفين تحت الطاولة، وتفعيل الفحص الأمني والقانوني الصارم لشركات الحراسة الخاصة لضمان ألا تتحول إلى ميليشيات تحت الطلب.

أما الدرس الحتمي والنهائي من هذا السقوط المروع، فهو إثبات أن جانب العقاب وسيادة الدولة يظلان ثابتين فوق أي اعتبار مادي، ومهما بلغت الضغوط الاقتصادية أو الديون. 

في حسابات الأمن القومي العليا، لا يوجد ثمن يمكن أن تدفعه أي قوة مالية ليعوض الدولة عن خسارة “احتكار القوة” والسيطرة،والنظم السياسية قد تقبل بمرونة اقتصادية أو تنازلات استثمارية، لكنها عندما توضع أمام معادلة الاختيار بين “المال” أو “الهيبة”، تختار الهيبة بلا تردد .

إن بقاء الكيان واستمراريته كقوة مهيمنة مشروط بقطع اليد التي تحاول أن تصنع لنفسها نفوذاً يضاهي سلطة الأمن العام .

 وكذلك فإن سحق هذه الظاهرة ومصادرة الممتلكات أكد للمجتمع أن الروح البراجماتية للدولة تنتهي فوراً عندما يبدأ النفوذ المالي الفاسد بالتحول إلى مهدد سيادي مباشر لشرعيتها واستقرارها.

وانطلاقاً من هذا المنطق البارد، تأتي النهاية الحتمية والنتيجة الطبيعية المتوقعة لتسدل الستار كاملاً على فصول هذه المغامرة غير المحسوبة؛ فالتحقيقات الجارية اليوم لا تترك مجالاً لصفقات جديدة، بل تقود بخطى ثابتة نحو قفص الاتهام الجنائي والمحاكمة العاجلة و إن سقوط الغطاء السياسي والتحفظ الاحترازي الشامل على كافة الأصول والشركات والحسابات البنكية يمثل البداية الفعلية لتفكيك الإمبراطورية من جذورها، وتحويلها من أداة نفوذ إلى مجرد أرقام في خزائن الدولة كحصيلة طبيعية لقضايا غسل الأموال المشبوهة والبلطجة المنظمة.

بديهيا أن الخاتمة المتوقعة في أروقة العدالة لن تقف عند حدود العقاب البدني بالحبس المشدد، بل ستمتد لتقتلع “الظاهرة” من بيئتها الحاضنة عبر قرارات قضائية نهائية بحظر تملك أو إدارة هذا الطراز من الشخصيات لشركات الأمن الخاصة، لتتحول التجربة برمتها إلى مجرد عبرة مدونة في دفاتر القانون، تؤكد أن النفوذ الذي يُبنى على استعراض القوة في مواجهة الدولة ينتهي دائماً بالانتحار الذاتي، وأن مصير حيتان الظل هو السحق الكامل تحت عجلات الآلة السيادية التي لا ترحم من يستهين بهيبتها.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *