القائمة

الميلاد… حين يعجز التقويم عن تقسيم مصر

غرفة الأخبار 6 أشهر مضت 0 3.1 ألف

ماجدة محمود تكتب

ليس كل ما يُقاس بالزمن يُقاس بالمعنى. وليس كل اختلاف في التاريخ يعني اختلافًا في الحقيقة. في مصر، تحديدًا، هناك لحظات أقدم من التقاويم نفسها، لحظات تشكّلت فيها فكرة الوطن قبل أن يُدوَّن اليوم والشهر والسنة. عيد الميلاد واحد من هذه اللحظات. يمرّ كل شتاء محمّلًا بذات الرسالة، حتى وإن اختلف رقم اليوم المعلّق على الجدار. هنا، لا يبدأ العيد حين تقول الورقة إنه بدأ، بل حين تشعر البيوت أن دفئًا خاصًا دخلها، وحين يعرف الناس بالفطرة أن وقت الفرح قد حان.

كل عام والإخوة الأقباط بخير، عيد ميلاد مجيد لا بوصفه مناسبة دينية تخص جماعة، بل بوصفه جزءًا أصيلًا من الذاكرة المصرية. هو عيدٌ عاشته هذه الأرض قبل أن تعرف الانقسام، واحتضنته قبل أن تتعلم لغة “الأغلبية والأقلية”. في مصر، لم يكن الميلاد يومًا غريبًا عن وجدان المسلم، كما لم يكن الهلال غريبًا عن قلب المسيحي، لأن فكرة الوطن هنا سبقت كل محاولات التصنيف.

وحين يُثار الجدل كل عام حول سبب الاحتفال بعيد الميلاد في الخامس والعشرين من ديسمبر لدى الكنائس الغربية، وفي السابع من يناير لدى الكنائس الشرقية، فإن هذا الجدل يكشف في حقيقته جهلًا بطبيعة الاختلاف، لا عمقًا فيه. المسألة لا تتعلق بإيمانين مختلفين، ولا بميلادين متناقضين، بل بحسابٍ مختلف للزمن. الكنائس الغربية تبنّت التقويم الغريغوري الأكثر دقة فلكيًا، بينما تمسّكت الكنائس الشرقية، وعلى رأسها الكنيسة القبطية، بالتقويم اليولياني الأقدم. ومع تراكم الفارق الحسابي عبر القرون، انزلق التاريخ ثلاثة عشر يومًا، وبقي العيد كما هو، ثابتًا في جوهره، لا يتزحزح.

أما السؤال عن أي التاريخين “أصح”، فهو سؤال يبدو علميًا في ظاهره، لكنه ناقص في جوهره. نعم، الحساب الغريغوري أدق فلكيًا، لكن الدقة هنا لا تعني الصواب المطلق، لأن الإيمان لا يُدار بالآلة الحاسبة، والطقس الديني لا يُقاس بميزان الفلك وحده. ما حافظت عليه الكنائس الشرقية لم يكن خطأ، بل اختيار واعٍ للاستمرارية، واحترامٌ لتقليد لم ينكسر أمام ضغط التحديث الشكلي.

وفي مصر، يسقط هذا السؤال من الأساس. لأن الوطن الذي احتمل آلاف السنين من التراكم الحضاري لا يمكن أن يتعثر أمام فرق ثلاثة عشر يومًا. المصري لا يدخل في خصومة مع الزمن، ولا يسمح للتاريخ أن يصبح أداة فرقة. يهنئ أخاه المسيحي في ديسمبر، ويكرر التهنئة في يناير، لا لأنه متردد، بل لأنه ثابت على فكرة واحدة: الفرح لا يُختصر، والوحدة لا تُجزّأ.

هذه ليست شعارات، بل ممارسة يومية. في الشارع، في العمل، في البيوت، في تفاصيل الحياة العامة التي لم تفسدها خطابات الكراهية ولا محاولات الاستقطاب. هنا، لا يُسأل الإنسان عن ديانته قبل أن يُصافح، ولا يُفتش في معتقده قبل أن يُشارَك فرحه .

قد تختلف الكنائس في التقويم، وقد يختلف العالم في الحساب، ولكن مصر لا تختلف على نفسها . هذا وطن لا يتوحّد بالتواريخ، بل بالناس. ولا يعيش بالاسئلة النظرية، بل بالمعنى العملي لفكرة بسيطة وعميقة فى أن واحد: لا فرق في الوطن بين مسلم ومسيحي، لأن الوطن الذي يحتاج إلى دليل لإثبات وحدتة، ليس وطنًا أصلا.

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *