د. ماجدة محمود … تكتب
لم يمر سوى أسبوع واحد على نشر مقالي بعنوان «هل يبدأ الإعلام المصري من الصفر؟!.. ومن أخبركم أن ماسبيرو مفلس؟»، الذي دعوت فيه إلى النظر إلى ماسبيرو باعتباره مؤسسة تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على النهوض من جديد، وأن أزمتها ليست في غياب التاريخ أو ضعف الإمكانات، وإنما في حسن إدارة ما تملكه من أصول مادية ومعنوية.
ولم يكن هدفي يومها مجرد الدفاع عن مؤسسة عشت بين جدرانها سنوات طويلة، بل كان هدفي التأكيد على أن ماسبيرو ليس عبئًا على الدولة، وإنما ثروة وطنية تستحق أن تُدار برؤية مختلفة.
ولذلك تابعت باهتمام بالغ ما أعلنه المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية بشأن اجتماع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس مجلس الوزراء، ووزير الدولة للإعلام، ووزير الاتصالات، ورؤساء الهيئات الإعلامية، لمتابعة مشروع رقمنة وأرشفة تراث الإذاعة والتليفزيون المصري.
والحقيقة أن هذا الاجتماع يحمل رسالة مهمة، وهي أن الدولة لم تتخلَّ عن ماسبيرو، بل تعتبره أحد أهم أدوات قوتها الناعمة، وأن الحفاظ على تراثه مسؤولية وطنية تستحق أن تحظى باهتمام القيادة السياسية.
وقد أسعدني أن أقرأ توجيهات السيد الرئيس بالحفاظ على التراث السمعي والبصري، ورقمنة ما يقرب من مليون شريط، وأكثر من ثمانمائة ألف ساعة من المحتوى، وتطوير الاستوديوهات، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن هذه الرؤية لا تنقذ الماضي فقط، بل تفتح الباب أمام مستقبل جديد للإعلام المصري.
ومن هنا أقول بكل وضوح: هذه استجابة تستحق التقدير، وتؤكد أن الدولة تنظر إلى الإعلام باعتباره أحد ركائز الأمن القومي والثقافة والهوية الوطنية.
لكن الصورة، في تقديري، لم تكتمل بعد.
فإذا كان السيد الرئيس قد فتح ملف حماية تراث ماسبيرو، فإن هناك ملفًا آخر لا يقل أهمية، بل قد يكون أحد مفاتيح نجاح مشروع التطوير كله، وهو ملف المستحقات المالية للهيئة الوطنية للإعلام لدى عدد من المؤسسات الإعلامية العربية.
ولا أتحدث هنا عن روايات أو معلومات متداولة، وإنما عن مستندات رسمية اطلعت عليها خلال فترة عملي، كنت مكلفة بمتابعة جانب من هذا الملف، وأكتفي اليوم بنشر نموذج واحد فقط، وهو خطاب رسمي صادر عن الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون السودانية بتاريخ 26 ديسمبر 2018، ردًا على مطالبة الهيئة الوطنية للإعلام بمستحقات مالية بلغت 2,792,514 دولارًا أمريكيًا، تضمن الإشارة إلى مخاطبة وزارة المالية السودانية لاتخاذ إجراءات السداد.
وأتعمد أن أنشر هذا المستند وحده، رغم وجود ملفات أخرى، لأن هدفي ليس استعراض الوثائق، وإنما لفت الانتباه إلى قضية أرى أنها تستحق أن تُفتح بالقدر نفسه من الاهتمام الذي حظي به ملف الرقمنة.
فالرقمنة تحتاج إلى تمويل، وتطوير الاستوديوهات يحتاج إلى تمويل، وإنتاج محتوى ينافس المنصات العالمية يحتاج إلى تمويل.
فهل يمكن أن يكون جزء من هذا التمويل موجودًا أصلًا في حقوق مالية لم يتم الإعلان للرأي العام عن مصيرها؟
إنني لا أوجه اتهامًا إلى أحد، ولا أبحث عن إثارة الجدل، وإنما أطرح سؤالًا مشروعًا أعتقد أن كثيرين ينتظرون إجابته.
هل أجرت الهيئة الوطنية للإعلام حصرًا كاملًا لهذه المستحقات؟
وما الذي تم تحصيله منها؟
وما الذي لا يزال قيد المتابعة؟
وهل توجد خطة واضحة لاسترداد ما يمثل حقًا أصيلًا للدولة المصرية؟
إن الحفاظ على تراث ماسبيرو لا يقتصر على إنقاذ الأشرطة القديمة، وإنما يمتد أيضًا إلى الحفاظ على كل ما يمثل قيمة لهذا الكيان، سواء كان أرشيفًا يوثق تاريخ مصر، أو حقوقًا مالية يمكن أن تسهم في تمويل تطويره، ودعم قدرته على الإنتاج، والمساهمة في تحسين أوضاع أبنائه الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الإعلام المصري.
لقد أسعدني أن أرى القيادة السياسية تضع هذا الملف على طاولة الاهتمام، وأثق أن مشروع التطوير لن يكتمل إلا إذا سار في مسارين متوازيين؛ الأول هو حماية التراث ورقمنته، والثاني هو حماية الحقوق المالية واستردادها.
فإنقاذ التراث خطوة عظيمة… أما استرداد الحقوق، فهو الضمان الحقيقي لاستدامة هذا الإنقاذ.
ولهذا أكرر السؤال، ليس اعتراضًا على ما تحقق، بل استكمالًا له:
إذا كان الرئيس قد فتح ملف إنقاذ تراث ماسبيرو… فمن يفتح ملف استرداد حقوقه المالية؟
magy-news@hotmail.com
