القائمة

الأوكتاجون فى مصر واستيعاب الدرس | القاهرة لم تعد تنتظر مُفاجآت

غرفة الأخبار يوم واحد مضت 0 6.9 ألف

كتب | سعيد السُبكي

هنك حقيقة فرضها القرن الحادي والعشرون على جميع الدول، وهي أن الحروب لم تعد تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل غرف التخطيط، ومراكز المعلومات، وشبكات الاتصالات، ومنصات الذكاء الاصطناعي، حيث تُرسم خرائط إرباك الخصم قبل أن تتحرك الجيوش، ويصبح الهدف الأول ليس احتلال الأرض، وإنما تعطيل العقل الذي يديرها.

لقد تغيرت طبيعة الصراع الدولي بصورة غير مسبوقة. لم يعد السؤال: كم دبابة تمتلك الدولة؟ أو كم طائرة تستطيع أن تدفع بها إلى ساحة القتال؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع هذه الدولة أن تحافظ على تماسك قرارها السياسي والعسكري إذا تعرضت لضربة مفاجئة؟ وهل تمتلك قيادة قادرة على الاستمرار في إدارة المعركة مهما بلغت شدة الضغوط؟

ذلك هو الدرس الذي فرضته التحولات الكبرى في العقود الأخيرة. فالدول لا تنهار دائماً عندما تُهزم جيوشها، بل قد تنهار عندما تُصاب مؤسساتها بالشلل، ويتعطل مركز اتخاذ القرار، وتفقد القيادة قدرتها على إدارة الدولة في اللحظة الفاصلة.

وليس من قبيل المصادفة أن تتجه القوى الكبرى إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي. فالأمن لم يعد سوراً يحيط بالحدود، بل أصبح منظومة متكاملة تبدأ من حماية الإنسان، وتمر بالبنية التحتية، وتنتهي عند حماية مؤسسات الدولة ذاتها، لأنها تمثل الضمان الحقيقي لاستمرار الوطن.

ولعل مصر كانت من الدول التي دفعت ثمن الاضطراب الإقليمي، وعاشت سنوات اختبرت خلالها صلابة مؤسساتها وقدرتها على الصمود. وكانت تلك التجربة، بما حملته من مخاطر واستقطاب واضطراب، كافية لأن تعيد ترتيب أولويات التفكير الاستراتيجي، وأن تؤكد أن حماية الدولة ليست شعاراً سياسياً، بل قضية وجود.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى إنشاء مقر القيادة الاستراتيجية المصرية، المعروف باسم “الأوكتاجون”، باعتباره جزءاً من رؤية أوسع لتطوير منظومة القيادة والسيطرة، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة الأزمات واستمرار عمل مؤسساتها في مختلف الظروف. فالقيمة الحقيقية لأي مركز قيادة لا تكمن في ضخامته أو هندسته المعمارية، وإنما في دوره في ضمان استمرارية اتخاذ القرار، وتنسيق الجهود بين مؤسسات الدولة عند الضرورة.

لقد علمتنا التجارب أن الدول التي تستعد للمستقبل هي التي تقل فيها المفاجآت. أما الدول التي تكتفي بردود الأفعال، فإنها تدفع دائماً كلفة أعلى من كلفة الاستعداد.

وربما لهذا السبب لم تعد الدول الكبرى تتعامل مع مراكز القيادة باعتبارها مجرد مبانٍ إدارية، بل باعتبارها القلب النابض للدولة الحديثة، حيث تتكامل المعلومات، وتتخذ القرارات، وتُدار الأزمات، وتُصان القدرة على الاستمرار مهما كانت التحديات.

إن مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي ودورها الإقليمي، لا تملك ترف تجاهل ما يجرى حولها. فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، والتوازنات تتغير بوتيرة متسارعة، والتكنولوجيا تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ بصورة لم تكن مألوفة من قبل.

ومن هنا، فإن الاستثمار في بناء مؤسسات أكثر قدرة على الصمود، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وتعزيز الأمن المعلوماتي، لا ينبغي النظر إليه باعتباره استجابة لحدث بعينه، وإنما باعتباره استثماراً في استقرار الدولة على المدى الطويل.

لقد أدركت مصر أن الدول لا تُحمى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات. وأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، وإنما بما تمتلكه من قدرة على الاستمرار، ومن كفاءة في إدارة الأزمات، ومن جاهزية لمواجهة ما قد تفرضه بيئة دولية لا تعترف إلا بالأقوياء.

إن التاريخ لا يرحم الدول التي لا تتعلم من تجاربها، ولا يمنح فرصة ثانية لمن يستهين بقيمة الدولة ومؤسساتها. أما الأمم التي تستوعب الدروس، وتستعد قبل أن تُفاجأ، فهي وحدها القادرة على حماية أوطانها، وصيانة قرارها، والحفاظ على مستقبل أجيالها.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *