القائمة

“ إحنا مش هنختلف”بس هنفرج علينا الخلق

Linda Seleem 10 ساعات مضت 0 6.1 ألف

من أكثر الجمل المرعبة في الحياة العربية الحديثة ليست “معاك ورم خبيث” ولا “تم سحب رصيدك بالكامل” بل الجملة التي يقولها لك أي صنايعي أو سائق أو مقدم خدمة وهو يبتسم بثقة غامضة: “إحنا مش هنختلف.”
والحقيقة أننا في هذه اللحظة نكون قد اختلفنا فعلًا لكن لم يتم الإعلان الرسمي بعد.

تركب تاكسي، تسأل بمنتهى الأدب: الحساب كام؟ فينظر لك نظرة الرجل الزاهد الذي تجرّد من المادة ويقول: “اللي تدفعه” فتشعر فجأة أنك أمام راهب بوذي ترك الدنيا لله، ثم ما إن تعطيه المبلغ حتى يتحول في ثانيتين إلى خبير اقتصادي ومحلل بورصة وسائق فورمولا واحد اكتشف أن كرامته أُهينت بخمسة جنيهات ناقصة يبدأ العرض: “هو أنا قليل؟ المشوار ده بيدفع فيه كذا!” طيب يا حبيبي ما تقول من الأول بدل لعبة “خمن السعر واربح خناقة”.

ونفس الفيلم مع السباك والنجار والنقاش وبتاع الألوميتال والحداد والكهربائي، وكلهم تقريبًا عندهم نفس المدرسة الإدارية العبقرية: لا سعر واضح، لا اتفاق محدد، لا ورقة، لا حتى رقم تقريبي،فقط ضباب كثيف واسمه “خلّيها على الله”.
ثم يبدأ مسلسل “هات تحت الحساب” وكأنك تمول حربًا أهلية لا مقاولة خفيفة؛
هات عشان الخامات.
هات عشان العمال.
هات عشان العربية عطلت.
هات عشان الدولار طلع.
هات عشان الصنايعي زعلان نفسيًا.
وأنت لا تعرف أصلًا هل ما تم تركيبه يساوي المبلغ الذي دفعته وفواتير بخط اليد لا تتناسب مع طمعه فيك وكأنه  يبني لك فرعًا جديدًا من برج خليفة داخل الحمام حال كان سباكا.

والأجمل أن القناع لا يسقط إلا قرب النهاية، لأنهم يعرفون أن الإنسان بعدما “لبس” بالفعل، يصعب عليه التراجع،فتجده قبل آخر مسمار يقول لك رقمًا يجعلك تشك أنك اشتريت العقار مرة ثانية، ولو اعترضت تبدأ المسرحية الأخلاقية: “إحنا تعبنا معاك” “إنت بتبخس الناس حقها”،“ما كناش فاكرينك كده”، وكأنك لم تكن طوال أسبوعين ماكينة ATM بشرية تمشي على قدمين.

الطريف أن هذه الثقافة لم تعد مجرد تصرفات فردية، بل تحولت إلى أسلوب حياة كامل قائم على قاعدة عظيمة: “اخطف قبل أن تُخطف”.
حادث عربيتين بسيط؟ لا أحد يسأل من المخطئ، المهم من يصرخ أولًا ويشتم أكثر ويجمع ناسًا أسرع،لأن كثيرين مقتنعون أن الصوت العالي دليل حق، وأن قلة الأدب نوع من أنواع إثبات الشخصية.
ولد ضرب زميله في المدرسة؟ بدل ما يتربى المخطئ، تلاقي أهله داخلين المدرسة بعقلية فتح الأندلس: تهديد ووعيد وصويت، لدرجة أن الطفل المضروب نفسه يعتذر في النهاية لأنه تجرأ وانضرب.

حتى الفواتير أصبح فيها حسد رسمي معتمد،فاتورة الغاز عند جارك أقل؟ يبدأ التحقيق الدولي: “إشمعنى؟!”
فاتورة المياه عندك أعلى؟ “أكيد في تلاعب”
يا سيدي لأن عنده فردين وأنت عندك سبعة، لأن عندك بانيو وجاكوزي وحنفيتين بيسربوا منذ عهد الدولة الأموية، لأن ابنك يفتح الدش ساعة ونصف كأنه يصور فيديو كليب تحت المطر، لكن لا، لازم المؤامرة حاضرة، لأننا ببساطة أصبحنا شعبًا يقارن أكثر مما يفكر.

أما المغترب فقصته مأساة كوميدية سوداء تستحق جائزة عالمية،
أول ما يسافر شخص للخارج، يتحول تلقائيًا في عيون البعض إلى البنك المركزي المصري فرع العائلة، لا أحد يتخيل أنه يدفع إيجارًا، أو ضرائب، أو تأمينًا، أو يعيش تحت ضغط، أو ربما ينام على مرتبة مستعملة ويعد الأيام حتى آخر الشهر. كل ما يعرفونه أنه “جاي من برّه”، وبالتالي مطلوب منه دفع فاتورة الجميع: شحن، هدايا، مساعدات، أجهزة، تحويلات، ويفضل أيضًا أن يبتسم وهو يُستنزف حتى آخر أعصابه، لأن أي اعتراض منه يُفسَّر فورًا على أنه “اتغيّر علينا”.

والكارثة أن كل هؤلاء يجمعهم شيء واحد: يكرهون الوضوح،
السعر الواضح يزعجهم،الاتفاق المكتوب يزعجهم،تحديد المسؤوليات يزعجهم،لأن الضباب هو البيئة المثالية للفهلوة، ولأن بعض الناس لا يعملون بالمهنة أصلًا،بل يعملون في “جرّ الرجل” حتى آخر لحظة ممكنة.

ولهذا اسمحوا لي أن أقدم نصيحة اجتماعية جديدة ربما تنقذ أعصاب الناس وعلاقاتهم وأقسام الشرطة أيضًا:
من اليوم، أي إنسان يقول لك “اللي تشوفه” أو “مش هنختلف” أو “خلّيها على الله”اعتبرها إشارة إنذار مبكر، واطلب فورًا التفاصيل كاملة: كام؟ ماذا يشمل؟ متى ينتهي؟ وما الذي ستدفعه بالضبط؟
ولو تضايق من سؤالك، فاعرف أن نيتك في طلب الوضوح أنضف كثيرًا من نيته في ترك الباب مواربًا،لأن الزمن تغيّر، والناس تعبت، والأعصاب لم تعد تحتمل مفاجآت آخر المشوار،ومنتهى الاحترام اليوم ليس في الكلام المعسول، بل في الوضوح،أما “إحنا مش هنختلف” فغالبًا تعني بالعربي الفصيح:

“استعد عشان هنفرج علينا الخلق.”

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *