بقلم د.ليندا سليم
جملة قاسية، صادمة، تجرح الأذن قبل القلب، لكنها رغم فظاعتها تحمل شيئًا مرعبًا من الصدق، فالأم التي تصرخ بها في الشارع لا تُخفي سقوطها، لا تتسلل إلى حضن أم أخرى لتنتزع طفلها، بل تقف منكشفة أمام العالم كله، كأنها تقول: “أنا انهرت أنقذوني قبل أن أفقد آخر ما تبقى مني.”
وفي شارع آخر، هناك أم تركض كالمجنونة لأن طفلها اختفى، طفل خُطف من حضنها، انتُزع من أمانه، وهناك امرأة أخرى خلف هذا المشهد، امرأة ربما تكون أشد فقرًا من الأولى، أكثر وحدة، أكثر ألمًا، لكنها اختارت طريقًا مختلفًا، اختارت أن تبني نجاتها فوق قلب أم أخرى.
وهنا تبدأ الحقيقة التي يخاف المجتمع الاقتراب منها، لأن الناس تُحب الأحكام السريعة أكثر من مواجهة الجذور، فالجميع سيلعن المرأة التي قالت “اشتروا ابني”، لكن قليلين فقط سيسألون: إلى أي درجة من العجز يمكن أن يصل إنسان حتى يعرض قطعة من روحه للبيع؟
الفرق بين المشهدين ليس بسيطًا كما يبدو، الأولى، رغم بشاعة ما فعلت، كانت تتحرك من داخل انهيار معلن، صرخة يأس خرجت بشكل مشوه، أما الثانية فكانت تتحرك من داخل قرار واعٍ بسرقة عمر كامل من قلب أم أخرى.
ولا، هذا ليس دفاعًا عن بيع الأطفال، فالجريمة تبقى جريمة، والطفل ليس سلعة، لكن هناك فرقًا بين من يسقط وهو يصرخ طالبًا النجدة، وبين من يسقط وهو يسحب معه ضحية أخرى إلى الهاوية.
المجتمع يحب أن يشاهد النتائج منفصلة عن أسبابها، يشاهد أمًا تعرض طفلها للبيع فيعتبرها وحشًا، لكنه لا يرى سنوات القهر التي ربما دفعتها إلى هذا الجنون، لا يرى الخوف الذي يأكل عقل الأم حين تعجز عن إطعام صغيرها، ولا يرى كيف يمكن للفقر أن يحطم الإنسان من الداخل حتى يجعله يتصرف ضد فطرته نفسها.
الفقر لا يسرق الجيوب فقط، بل يسرق التفكير المتزن، يسرق الإحساس بالأمان، يسرق القدرة على اتخاذ القرار الطبيعي، الإنسان حين يُحاصر طويلًا بالخوف والجوع والعجز، لا يبقى نفسه بالكامل، بل يتحول إلى روح تقاتل بأي طريقة كي تنجو.
أما الخطف، فله وجه آخر أكثر ظلمة، لأنه لا يولد من العجز وحده، بل من الاستباحة، من اقتناع داخلي بأن ألمك يمنحك حقًا في تدمير غيرك، وهنا تصبح الكارثة أعمق، لأننا لا نكون أمام إنسان ينهار فقط، بل أمام إنسان قرر أن يجعل الآخرين ينهارون معه.
ثقافيًا، نحن نعيش أزمة صامتة، مجتمع يطلب من الناس أن يختنقوا بصمت، أن يخفوا احتياجهم، أن يبتلعوا خوفهم، ثم يُصاب بالصدمة حين يخرج الانهيار بصورة قبيحة، وكأننا نريد من المقهور أن يموت بهدوء حتى لا يزعج أحدًا.
ودينيًا، لا الفقر يُبرر الحرام، ولا الجوع يمنح حق الأذى، لكن الرحمة أيضًا ليست رفاهية، والتكافل ليس مجرد خطب، ففي كل مرة يُترك فيها إنسان وحيدًا حتى يصل إلى حافة الجنون، هناك مجتمع كامل يتحمل جزءًا من الكارثة.
الأخطر من المرأة التي باعت، والمرأة التي خطفت، هو أننا بدأنا نعتاد هذه الأخبار، نغضب لدقائق، ثم نواصل حياتنا كأن شيئًا لم يحدث، وكأن الطفولة التي أصبحت مهددة بين يدٍ يائسة ويدٍ مجرمة لا تخصنا جميعًا.
المؤلم حقًا، أن الأم التي قالت “اشتروا ابني” ربما كانت، بطريقتها المشوهة، ما تزال تبحث عن نجدة، بينما الخاطفة كانت تبحث عن ضحية.
