بقلم د.ليندا سليم
من تلاقي الفاجعة الإنسانية بصدمة النص التشريعي، يبرز جدل فلسفي وقانوني عميق يتجاوز حدود الجريمة التقليدية، ليضعنا أمام مواجهة كبرى بين فكرين قانونيين: المدرسة الجنائية المصرية (القائمة على مزج الفلسفة اللاتينية بالخصوصية الاجتماعية والردع الصارم)،
والمنظومة القانونية الأوروبية الحديثة (التي أعادت صياغة مفهوم العقوبة نحو أنسنة الجزاء وإعادة التأهيل)وتتجلى هذه المواجهة الصارخة في فرضية دمج الواقعة ، ابنة تقتل والديها، وأب يعلن صفحه وتنازله ، لتقييمها بين مطرقة العدالة الجنائية الحازمة وسندان الرؤية الإصلاحية الغربية.
يقف القضاء المصري في هذه المواجهة مدافعاً عن كيان “الأسرة” كمؤسسة مقدسة في الوجدان الجمعي؛ فالجريمة هنا ليست مجرد اعتداء على أفراد، بل هي طعنة نافذة في قلب السلم الاجتماعي وفطرة البشر و من هذا المنطلق، يرى المشرّع المصري أن عقوبة الإعدام لقاتلة الأصول عند ثبوت سبق الإصرار والترصد هي مقتضى حتمي للعدالة؛ ليس تشفياً، بل استئصالاً قانونياً لحماية أمن الشارع وتحقيق الردع العام، فمن هانت عليه دماء أمه وأبيه لا أمان له وسط البشر.
على الجانب الآخر، يقدم القانون الأوروبي الحديث قراءة مغايرة تماماً تلتزم بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تلغي عقوبة الإعدام كلياً و في حالة مشابهة، تواجه الابنة عقوبة السجن المؤبد (مع إمكانية المراجعة والإفراج المشروط بعد 15 إلى 25 عاماً). الفلسفة الأوروبية تقوم على أن الدولة لا تملك الحق في سلب الحياة مهما بلغت بشاعة الجرم، وأن الهدف الأسمى لأي حكم قضائي هو “الإصلاح، الاحتجاز الآمن، والعلاج النفسي الممنهج”.
حق الدم:
المفارقة الأكثر تعقيداً تكمن في طريقة تعامل كلا النظامين مع “تنازل الأب المكلوم”؛ فالأب الذي يعيش صدمة مزدوجة بفقدان زوجته ومواجهة ابنته لحبل المشنقة، يقدم تنازلاً تمليه عاطفة غريزية بائسة لإنقاذ ما تبقى من أشلاء أسرته.
في الميزان القانوني المصري: يفصل القضاء تماماً بين الحقوق؛ فتنازل الأب يقف عاجزاً عند حدود إسقاط “الحق المدني” (التعويضات)، لكنه يسحق تماماً أمام “الحق العام” للمجتمع الذي تمثله النيابة العامة،هنا الجريمة تجاوزت النطاق العائلي الخاص بمجرد سفك الدماء، والقاضي لا يدير العدالة بمنطق الخصومة الشخصية أو المواءمات العاطفية، وبالتالي لا أثر للتنازل على حتمية الإعدام.
في الميزان القانوني الأوروبي: الدعوى العمومية هي أيضاً ملك للدولة ولا تسقط بعفو عائلي، لكن المحاكم الأوروبية (كالإسبانية أو الفرنسية) تمنح القاضي مرونة أوسع للالتفات إلى “الظروف المخففة للشخصية” (Personal Mitigation) هنا، قد يُدرس انكسار الأب وتنازله كعامل إنساني لتخفيف المؤبد الصارم إلى سجن محدد المدة، رفقاً بالأب المتبقي وحماية له من الانهيار الكامل، مع إخضاعهما لمعالجة نفسية مكثفة.
التشريح النفسي:
بينما يرى القانون المصري في “قرابة الدم” ظرفاً مشدداً غليظاً تتلاشى معه مبررات الرأفة لأن الغدر هنا مضاعف، تذهب المحاكم الأوروبية إلى تفكيك الجريمة عبر تقارير اجتماعية ونفسية تستغرق شهوراً ،و القضاء المصري يبحث في “الأهلية العقلية” (مسؤول أو غير مسؤول) لتحديد العقوبة وبتر الخطر السيكوباتي المعادي للمجتمع. أما القضاء الأوروبي فيغوص في الدوافع العميقة والسياق الأسري (هل هناك تحكم قسري، إساءة معاملة سرية، أو اضطرابات نفسية كامنة)؛ ليكون التركيز في الغرب على سؤال “لماذا حدث هذا؟”، بينما يتمسك القضاء المصري بسؤال “ماذا حدث وكيف نحمي المجتمع من تكراره؟
تظل هذه القضية مرآة لمنظور فكري حاد؛ فالقانون المصري يرى في القاتلة خطراً مطلقاً وجب بتره لحماية الأمن الأخلاقي والروابط الوجودية للأسرة، في حين يراها القانون الأوروبي إنساناً مضطرباً ارتكب جرماً بشعاً، وجب احتجازه وعلاجه قسرياً مع مراعاة ألا يتسبب الحكم في سحق وتدمير ما تبقى من حياة للأب المكلوم.
