✍️ د عادل عامر – مصر
في تطور خطير وغير مسبوق، أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب ان الولايات المتحدة نفذت ضربة عسكرية واسعة ضد فنزويلا، وانها القت القبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلتهما جوا خارج البلاد، في خطوة هزت المشهد السياسي الدولي واثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقات بين الدول وسيادة القانون الدولي.
الاعلان الامريكي جاء عبر منصات التواصل دون تقديم ادلة واضحة او تفاصيل دقيقة، ولم تؤكده حتى اللحظة الحكومة الفنزويلية، التي سارعت من جانبها الى إعلان حالة الطوارئ ونشر القوات المسلحة، واعتبرت ما جرى عدوانا عسكريا يستهدف استقلال البلاد وثرواتها الاستراتيجية وعلى رأسها النفط والمعادن.
وبينما تستند واشنطن في تبرير تحركاتها الى اتهامات قديمة لمادورو تتعلق بانتخابات غير شرعية وضلوعه في تهريب المخدرات، وهي اتهامات ترفضها كاراكاس جملة وتفصيلا، وترى فيها غطاء سياسيا لتدخل عسكري مباشر يهدف الى تغيير النظام بالقوة وفرض ارادة امريكية على دولة ذات سيادة.
و اللافت في هذا المشهد ليس فقط حجم التصعيد العسكري، بل خطورته الرمزية، ففكرة اعلان القبض على رئيس دولة بالقوة العسكرية خارج اي مسار قضائي دولي تفتح الباب امام سابقة شديدة الخطورة، وتثير سؤالا مشروعا لدى كثيرين: هل ما جرى يمثل تطبيقا للقانون، ام بلطجة سياسية بقوة السلاح تمارسها قوة عظمى على دولة اضعف؟
لا شك أن تجاوز الأطر الدولية، وتهميش دور الامم المتحدة، والتصرف بمنطق القوة المجردة، كلها مؤشرات تعزز القلق من تحول النظام الدولي الى ساحة شريعة غاب، حيث يصبح موقع الدولة في ميزان القوة هو الفيصل، لا القوانين ولا الاعراف.
إن ما يحدث في فنزويلا اليوم لا يخصها وحدها، بل يهم كل دولة، كبيرة كانت او صغيرة، لان تطبيع فكرة خطف او اعتقال رؤساء الدول بالقوة العسكرية، تحت اي ذريعة، يعني ان سيادة الدول لم تعد مصونة، وان العالم يتجه نحو مرحلة اكثر اضطرابا وخطورة.
وبين رواية أمريكية تتحدث عن مكافحة الجريمة والمخدرات، ورواية فنزويلية ترى في الأمر عدوانا ونهبا منظما للثروات، يبقى الضحية الاول هو الاستقرار الدولي، ويظل السؤال مفتوحا: من يضع حدا لقوة بلا ضوابط، اذا كانت هي نفسها من يدعي حراسة النظام العالمي؟
إن أخطر ما تكشفه هذه الواقعة – بصرف النظر عن صحة الروايات المتداولة – هو التحول المتسارع في سلوك القوى الكبرى من منطق القانون الدولي إلى منطق الفعل الأحادي، حيث تصبح القوة العسكرية أداة سياسية مباشرة لفرض الوقائع وتغيير الأنظمة، دون تفويض دولي أو مساءلة قانونية. فهذا النهج لا يهدد دولة بعينها، بل يقوض الأساس الذي قام عليه النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والقائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وإذا ما تم التسليم بشرعية مثل هذه الأفعال، فإن العالم يكون قد دخل فعليًا مرحلة جديدة من الفوضى المقننة، تُختزل فيها العدالة في ميزان القوة، وتُفرغ فيها المؤسسات الدولية من مضمونها، لتتحول إلى أطر شكلية عاجزة عن حماية أضعف أعضائها. وعندها لن يكون السؤال من أُعتقل اليوم، بل من سيكون الهدف التالي غدًا، في عالم باتت فيه القوة تسبق الحقيقة، والسلاح يعلو على القانون.
