بقلم : يحي سلامة
عندما تُصاب الأمة بهزيمة نفسية وتغيب عن المشهد الحضاري ولم تعد مؤثرة في الأحداث فهي تنطوى على نفسها وتعانى أزمة نفسية لا تستطيع معها إجادة قراءة الواقع والتفاعل معه فتهرب إلى الماضي وتتعامل مع الحاضر بنظرية المؤامرة أما المستقبل فهو لا وجود له ويتميز لديها بالضبابية وروح التشاؤم والشك .
هذا باختصار شديد تلخيص المشهد العربي الراهن وموقف المتابعين من الحرب بين إيران وإسرائيل وفقا لما طالعته وتابعته علي وسائل التواصل الاجتماعي.
وتمثل الهروب إلى الماضي في استدعاء العداء التاريخي (وليس الديني )بين العرب والفرس والروم عندما انقسم العرب قبل الإسلام بين موالين للروم وموالين للفرس وإن كان هناك استدعاء ديني لأيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن هزيمة الروم وانتصارهم بعد ذلك وعن العداء الأزلى بين المسلمين واليهود ونهاية اليهود ويستنتج أصحاب هذه النظرية أن المؤامرة الثلاثية من إسرائيل وإيران وأمريكا هى موجهة ضد العرب في المقام الأول .
وهذا يتفق تماما مع ماتم طرحه من قبل عن المؤامرة الثلاثية التي تمت بين مصر وإسرائيل وأمريكا في حرب أكتوبر 1973والتي وصفت أيضا بالتمثيلية الهدف منها توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 وتحييد مصر من الصراع العربي الإسرائيلي.
وتمتد نظرية المؤامرة لتشمل حركات المقاومة وحركات التحرر فطبقا لنظرتهم ورأيهم فحزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثي هم ضالعين فى مؤامرة مع إيران وإسرائيل لتدمير لبنان واحتلال غزة وتدمير اليمن والعمل على إضعاف الدول العربية والمساعدة فى إعادة الإمبراطورية الفارسية وإنشاء مملكة إسرائيل المُمتدة من النيل إلى الفرات .
ولم تستثنى نظرية المؤامرة حكومة سوريا الوليدة بعد تخلصها من نظام الأسد المجرم فالرئيس أحمد الشرع هو عميل وينفذ مؤامرة ضد سوريا وضد العرب جميعا ويعمل لصالح إسرائيل ولصالح الغرب .
والدول العربية كلها وبلا استثناء واقعة فى فخ المؤامرة فدول الخليج متأمرة مع أمريكا ومصر والأردن متأمران مع إسرائيل ودول المغرب العربى متأمرة ضد مصر وضد العرب لصالح الغرب وصالح أمريكا
والكل متأمر ضد الكل .
ولأننا عرب وأهل سنة وجماعة قد تأمر علينا اليهود والشيعة والصليبيين والهندوس والكونفوشيسيين والوثنيين
بإختصار هناك مؤامرة كونية ضدنا نحن العرب وكفى .
فالجميع وقف عند حدود المؤامرة ولا يقدم حلا أو مُقترحًا للتصدي لهذه المؤامرات والخروج من هذا المأزق وبسؤالهم ماذا بعد؟
ينطوى الجميع على نفسه ويتخندق في بلده وعشيرته ويردد أنه يقف خلف الرئيس الملهم أو الملك أطال الله عمره أو الأمير المفدى وأنه خلف حكومته وجيش دولته وشرطة دولته ولا شأن له بما يجرى فى أى دولة أخرى وأى مكان أخر وليذهب الجميع إلى الجحيم فالمهم سلامة بلدي .
ولا أجد تسمية لهذا إلا الإنفصام الفكرى والعقائدي .
فالمصرى مثلا يقول بالعامية (وأنا مالى )ويقولها بلهجته اللبناني والمغربي والتونسي والسعودي والكويتي والقطرى الخ.
فعند ذكر أنا مالي تذكر جنسيته وبلده فقط ولم يتذكر أنه عربي مسلم أو مسيحي وأنه سني تأمر عليه اليهود والشيعة والصليبيين
هذا الإنفصام والإتكاء على نظرية المؤامرة واستدعاء التاريخ والدين والأحلام الرومانسية بقدوم صلاح الدين على حصانه فى صورة البطل المخلص كما في الأفلام العربية كل هذا إنما يدل دلالة واضحة على الهزيمة النفسية للعرب وخروجهم من المشهد والإكتفاء بالمشاهدة
