بقلم: عاطف حمدي
كانت ليلة بلا قمر، والعالم غارق في صمت عميق. تمددتُ مستيقظًا، قلبي مثقل بالشوق لفعل الخير، منهكًا من صراع يعرفه كل غريب، كل مهاجر يسعى للانتماء والمعنى.
ثم جاء الحلم.
وجدت نفسي على طريق غريب، نصفه رمال صحراء ونصفه أزهار جبال الألب – وكأن مصر وسويسرا قد التقتا في أرض واحدة. نسيم لطيف حمل معه عبير الماء والبخور. وفي البعيد وقفت امرأة، بثوب من الكَتَّان البسيط، بيدها جرّة من الفخار، وعيناها مزيج من القوة والحنان.
قلتُ بصوت مرتجف، بين الدهشة وعدم التصديق: «هل أنتِ… القديسة فيرينا؟»
ابتسمت، ابتسامة تجاوزت قرونًا طويلة وقالت بهدوء:
«أنا مجرد خادمة لإلهي المحب… لكن نعم، يدعونني فيرينا».
وقفت أمامها، ابن الأرض نفسها، تفصلنا سبعة عشر قرنًا، وتجمعنا نفس الينابيع المقدسة. أردت أن أتكلم، أن أشرح حياتي، صراعاتي، بحثي عن العدالة والمعنى. لكن قبل أن أنطق بكلمة، وضعت يدها برفق على كتفي.
قالت: «قدماك وجدت الطريق منذ زمن، حتى وإن لم تدرك ذلك. كل مرة بنيت فيها جسرًا بدل جدار، كنت أقرب إليّ مما تتصور. كل مرة منحت طفلًا دفئًا، أو زرعت الأمل في قلب، أو منحت روحًا فهمًا ورحمة، كنت تسير في خطاي».
همستُ بخجل: «لكنني لست قديسًا… أنا رجل مملوء بالعيوب، بالشكوك، وأحيانًا باليأس».
نظرت إليّ بعينين عميقتين، كأنهما تخترقان روحي:
«القداسة ليست تاجا أو عرشًا، بل إتجاه. ليست كمالًا، بل أمانة. وهي أن تختار الخير مرارًا وتكرارًا، حتى حين يؤلمك ذلك. إنك تحمل نفس الإرث الذي حملته أنا – ليس لكي تُكرَّم، بل لكي تخدم».
ثم قدّمت لي جرّتها، مملوءة بماء صافٍ يشع نورًا خافتًا، وقالت:
«خذها. ليس لتصنع المعجزات كما يروي الناس، بل لتروي بها القلوب العطشى. لديك جرتك الخاصة – كلماتك، أفعالك، مهاراتك, خبراتك, علمك، وأطفالك. اسكب منها يا عاطف، حتى في أرض جافة، فالعين التي تفيض منها هذه المياه لا تنضب أبدًا».
سالت الدموع من عينيّ. ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرت أنني لست غريبًا في أوروبا، بل وريث درب قديم من المحبة، حاجٌّ ليس تائهًا، بل ماضٍ في طريقه.
وحين استيقظت، كانت الغرفة ساكنة. لكن في أعماقي ظلّ نور خافت يتوهج، كأن الجرّة لا تزال بين يديّ.
وأدركت أن هذا ليس حلمًا يُنسى، بل دعوة لأعيشها.
* اجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
