بقلم: د. ليندا سليم
مع كامل احترامي لكل صحفي وإعلامي ما زال يؤمن بأن الكلمة أمانة، فإن المشهد الإعلامي بات يطرح أسئلة مؤلمة لا يجوز الهروب منها.
متى تحولت رسالة الإعلام من مراقبة السلطة إلى تبريرها؟ ومتى أصبح بعض من يفترض أنهم ينقلون صوت الناس، ينقلون للناس ما ترغب بعض الجهات في سماعه فقط؟
المشكلة ليست في وجود إعلام يدعم الإنجازات، فكل نجاح حقيقي يستحق الإشادة، لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الدعم إلى تطبيل، وعندما تصبح المهنية رهينة للمصلحة، ويصبح الصمت عن الأخطاء ثمنًا لمكسب شخصي أو علاقة أو امتياز.
هناك من يمدح مؤسسة لأن أبناءه يدرسون فيها، ومن يدافع عن خدمة لأنه ينتفع منها، ومن يهاجم أو يؤيد وفقًا لما تمليه مصلحته، لا وفقًا لما تمليه الحقيقة. وعندما تختلط المصلحة بالمهنة، يفقد الإعلام أهم ما يملكه… مصداقيته.
والأخطر أن بعض المنصات لا تكتفي بتوجيه الرأي العام، بل تدفع الجمهور إلى الاستقطاب والاشتباك، ثم تعود لتوبخه على انفعاله، وكأنها لم تكن طرفًا في صناعة هذا الاحتقان.
ولأن صناعة الوعي أصعب من صناعة “الترند”، أصبح البعض يختزل الإعلام في الإثارة، ويختزل الثقافة في الترفيه، ويختزل القضايا الوطنية في عناوين تجلب المشاهدات. لكن الأوطان لا تُبنى بالضجيج، ولا تُدار بالتصفيق، ولا تُحمى بإخفاء الحقائق.
الإعلام ليس مكتب علاقات عامة، وليس منصة لتبادل المصالح، وليس وسيلة لتصفية الحسابات أو صناعة الأبطال الوهميين. الإعلام سلطة أخلاقية قبل أن يكون سلطة شعبية، والكلمة مسؤولية قبل أن تكون شهرة.
لن يسألنا التاريخ عن عدد المشاهدات، ولا عن حجم التفاعل، ولا عن قربنا من أصحاب النفوذ، بل سيسألنا: هل أنرتم العقول أم ساهمتم في تعتيمها؟ وهل وقفتم مع الحقيقة عندما كانت مكلفة، أم استبدلتموها بما يحقق لكم منفعة؟
يوم تُطوى الصحف، وتُغلق الشاشات، وتُنسى المناصب، لن يبقى إلا ما كتبته الأقلام بصدق، وما نطقت به الضمائر قبل الألسنة.
فالصحافة رسالة ومن يفرط في الرسالة، يفرط في شرف المهنة قبل أي شيء آخر.

برااااااافو . . لقد اصبتي كبد الواقع . . لعلهم يفيقوا من غفلتهم .