القائمة

الدول تُبتى مرتين | بالحجر والعقل

غرفة الأخبار يوم واحد مضت 0 4.9 ألف

د.ماجدة محمود… تكتب

ليست الحضارات مجرد أبراج ترتفع، ولا طرق تمتد، ولا مدن جديدة تخرج من قلب الصحراء. فكل ذلك، مهما بلغت عظمته، يظل بناءً ماديًا يمكن أن تنجزه الأموال والآلات والوقت. أما البناء الأصعب، فهو بناء العقل الذي يدير، والرؤية التي تستشرف، والمؤسسات التي تحمي، والإنسان الذي يدرك أن قوة الدولة لا تبدأ من حدودها، وإنما من قدرتها على التفكير قبل أن تضطر إلى القتال.

هذه الحقيقة كانت حاضرة بقوة في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة. فمن يتوقف عند مشهد افتتاح مبنى جديد، يقرأ نصف المشهد فقط. أما النصف الآخر، فهو إعلان عن مرحلة جديدة في فلسفة إدارة الدولة المصرية، مرحلة تنتقل فيها الدولة من مجرد بناء المؤسسات إلى بناء منظومة متكاملة لصناعة القرار، وإدارة الأزمات، واستشراف المستقبل.

فالقيادة الاستراتيجية ليست مجرد مقر تتجمع فيه الشاشات أو مركزًا لإدارة العمليات، وإنما هي التعبير العملي عن إدراك عميق بأن طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين تغيرت بصورة جذرية. لم تعد القوة تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية وحدها، بل أصبحت تقاس بقدرة الدولة على امتلاك المعلومة الصحيحة، وتحليلها في الوقت المناسب، واتخاذ القرار قبل أن يتحول الخطر إلى أزمة، وقبل أن تصبح الأزمة تهديدًا للأمن القومي.

لقد دخل العالم عصرًا لم تعد فيه الحروب تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل تبدأ بتزييف الوعي، وبث الشائعات، واختراق الفضاء الإلكتروني، والتلاعب بالرأي العام، واستهداف الاقتصاد، وتعطيل سلاسل الإمداد، وخلق الفوضى داخل المجتمعات. ولذلك لم يكن غريبًا أن يركز الرئيس على التكنولوجيا، وأنظمة القيادة والسيطرة، وربط المؤسسات المختلفة داخل منظومة واحدة، لأن الدولة الحديثة لم تعد تُدار بالعشوائية أو بردود الأفعال، وإنما تُدار بالعلم، والتخطيط، والتنبؤ.

ومن هنا جاءت الرسالة الأهم في الخطاب؛ وهي أن الأمن القومي لم يعد مفهومًا عسكريًا خالصًا، بل أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والتعليم والتكنولوجيا. فالدولة التي تحمي حدودها ولا تحمي وعي شعبها، تظل معرضة للخطر. والدولة التي تمتلك أحدث الأسلحة لكنها تفقد ثقة مواطنيها، لا تمتلك كل عناصر القوة. أما الدولة التي تجمع بين قوة المؤسسة، ووعي المواطن، وكفاءة الإدارة، فإنها تصبح أكثر قدرة على مواجهة العواصف مهما اشتدت.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتزامن افتتاح القيادة الاستراتيجية مع الاحتفاء بذكرى الثلاثين من يونيو. فالرسالة هنا أعمق من مجرد تزامن زمني؛ إنها تأكيد على أن حماية الدولة لا تنتهي بإسقاط مشروع هدد وجودها، وإنما تبدأ بعد ذلك ببناء مؤسسات تمنع تكرار الخطر، وتضمن أن تكون الدولة أكثر قدرة على حماية نفسها في المستقبل. فالجمهورية الجديدة، كما عكستها الكلمة، ليست شعارًا سياسيًا، وإنما مشروع طويل المدى لإعادة بناء الدولة المصرية على أسس أكثر صلابة وكفاءة.

كما حمل الخطاب قراءة واقعية للبيئة الدولية التي تتحرك فيها مصر. فمنذ عام 2011 لم تعرف المنطقة استقرارًا حقيقيًا، وتعاقبت عليها موجات من الإرهاب، والصراعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، وجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والتطورات في غزة، ثم التوترات الإقليمية الأخيرة. ومع ذلك، استمرت الدولة المصرية في تنفيذ أكبر برامج للبنية الأساسية، وإنشاء المدن الجديدة، وتطوير شبكات الطرق، وإقامة المشروعات القومية، وهي معادلة لم تكن سهلة في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

غير أن أكثر ما لفت الانتباه في الخطاب هو أنه لم يتوقف عند الأمن والسياسة الخارجية، بل انتقل مباشرة إلى المواطن. وهنا تتجلى فلسفة الدولة كما أراد الرئيس أن يقدمها؛ فنجاح أي مشروع وطني لا يقاس فقط بحجم الإنجازات، وإنما بقدرته على تحسين حياة الناس. لذلك جاءت التوجيهات المتعلقة بضبط الأسواق، وتخفيف الأعباء المعيشية، وإعداد برنامج اقتصادي وطني لما بعد برنامج الإصلاح، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتطوير التعليم، وإعادة هيكلة المشروعات الصغيرة، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمفهوم الأمن الشامل.

وفي تقديري، فإن أكثر ما يستحق التوقف عنده هو التوجيه الخاص بالإعلام. فالدعوة إلى فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، وعقد اجتماع سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، ليست تفصيلًا عابرًا داخل الخطاب، وإنما اعتراف رسمي بأن معركة الوعي أصبحت إحدى أخطر معارك الدولة الحديثة. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح أحد خطوط الدفاع الأولى عن الأمن القومي، وأحد أهم أدوات بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وأحد الأسلحة الرئيسية في مواجهة حملات التضليل والاستهداف المنظم.

وهنا تظهر رؤية متكاملة؛ فلا أمن بلا وعي، ولا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا مؤسسات قوية، ولا مؤسسات قوية بلا إعلام مسؤول، ولا إعلام مسؤول بلا مساحة للحوار والنقاش القائم على الحقائق.

لقد اتسمت كلمة الرئيس أيضًا بقدر كبير من المصارحة. فلم تنكر الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها المواطن، ولم تقدم وعودًا سهلة أو حلولًا سريعة، وإنما أكدت أن الدولة تدرك حجم الأعباء، وأن تحسين مستوى المعيشة يظل الهدف المركزي في المرحلة المقبلة. وهذه المصارحة، في حد ذاتها، تعكس إدراكًا بأن الثقة بين القيادة والشعب تُبنى بالوضوح، لا بالشعارات.

وإذا كان لكل خطاب سياسي عنوان غير مكتوب، فإن عنوان هذه الكلمة، في تقديري، هو “الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل”. فالدولة التي ظلت سنوات تواجه الإرهاب، وتحمي حدودها، وتدير تداعيات الأزمات العالمية، أصبحت اليوم تتحدث عن مرحلة جديدة عنوانها التخطيط للمستقبل، وتعزيز القدرة على التنبؤ، وبناء مؤسسات تمتلك أدوات القرن الحادي والعشرين.

لقد كان افتتاح القيادة الاستراتيجية مناسبة لإعلان فلسفة حكم أكثر منه مناسبة لافتتاح منشأة. فلسفة تؤمن بأن القوة ليست في امتلاك السلاح فقط، وإنما في امتلاك العقل الذي يعرف متى يستخدمه، ومتى يحول دون الحاجة إلى استخدامه. وتؤمن بأن التنمية ليست طريقًا موازيًا للأمن، بل هي وجهه الآخر، وأن المواطن الواعي هو السند الحقيقي للدولة، وأن المؤسسات القوية هي الضمانة الباقية لاستمرار الأوطان.

وهكذا، لم تكن الكلمة خطابًا عن مبنى جديد، بل كانت خطابًا عن دولة تعيد تعريف نفسها أمام شعبها وأمام العالم؛ دولة اختارت أن تبني حاضرها بالعمل، وأن تؤمن مستقبلها بالتخطيط، وأن تجعل من العقل الاستراتيجي أساسًا لكل خطوة تخطوها. فالدول قد تُشيَّد بالحجر، لكنها لا تبقى إلا إذا شُيِّدت بالعقل، وهذه كانت الرسالة الأعمق التي حملتها الكلمة، والتي تستحق أن تُقرأ باعتبارها إعلانًا عن مرحلة جديدة في مسيرة الدولة المصرية.

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *