القائمة

استطلاع | رعاية المسنين بين إنسانية مُحتملة وعقوق مُقنّع

Linda Seleem 3 أشهر مضت 0 8.2 ألف

لم يعد السؤال اليوم: هل نضع آباءنا في دور رعاية؟
بل أصبح السؤال الأصدق: كيف وصلنا أصلًا إلى هذه النقطة؟

في قلب هذا الجدل، يتقاطع طرحان يعكسان صراعًا حقيقيًا داخل المجتمع: طرح رافض تمثله الدكتورة ليندا سليم، وآخر أكثر مرونة تميل إليه الدكتورة شيرين طلعت وبينهما تقف الحقيقة معقّدة وغير مريحة، لكنها لا تحتمل التبسيط.

تنطلق د. ليندا سليم من موقف واضح يرى أن الفكرة في سياقها الاجتماعي السائد ليست بريئة تمامًا. فـ“دار المسنين” ليست مجرد مؤسسة رعاية، بل مؤشر على تحوّل في بنية الأسرة، حيث ينتقل الوالدان من مركز الاحتواء إلى هامشٍ يُدار خارج البيت وتؤكد أن القيم الدينية والاجتماعية التي تشكّل وجداننا تقوم على رعاية الوالدين داخل الأسرة، لا نقلهم إلى مؤسسات مهما بلغت جودة خدماتها.

وتذهب أبعد من ذلك حين تطرح إشكالية المصطلح ذاته؛ فـ“دار المسنين” يحمل إيحاءً قاسيًا يختزل الإنسان في ضعفه، وكأنها محطة أخيرة للعزلة ومن هنا، ترى أن هذه الأماكن إن وُجدت ينبغي أن تُخصَّص لمن لا عائلة لهم، أو من انقطعت بهم سبل الرعاية، لا أن تتحول إلى خيار سهل لمن لديهم أبناء.

في المقابل، تقدّم د. شيرين طلعت رؤية أكثر واقعية ومرونة، لا تنطلق من رفض الفكرة، بل من إعادة تعريفها. فدور الرعاية في نماذجها الجيدة قد تمثل حلًا إنسانيًا في حالات بعينها، خاصة عندما تتطلب حالة المسن رعاية طبية متخصصة يصعب توفيرها داخل المنزل، أو حين تعجز الأسرة رغم محبتها عن تلبية احتياجاته اليومية.

وتؤكد أن وجود الأب أو الأم في دار رعاية لا يعني بالضرورة عقوقًا أو تخليًا، طالما ظلّ التواصل قائمًا، والزيارات منتظمة، والدعم النفسي حاضرًا بل قد يكون في بعض الحالات خيارًا أكثر رحمة من بقاء المسن في عزلة داخل منزل يفتقر إلى الرعاية الفعلية.

وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة:
هل نحن أمام حل إنساني يواكب تعقيدات الحياة أم أمام صياغة مريحة لفكرة اسمها “التخلي”؟

الواقع يقول إن الصورة ليست أحادية،فهناك مؤسسات راقية تحفظ الكرامة وتقدم رعاية متكاملة، كما أن هناك أسرًا لا تملك لا ماديًا ولا نفسيًا قدرة الرعاية المستمرة وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حالات يُلجأ فيها إلى هذه الدور بدافع الراحة أو الهروب من عبء ثقيل.

المعضلة إذًا ليست في المكان بل في النية والسلوك.
ليست في “دار الرعاية” كفكرة بل في كيف ولماذا نلجأ إليها.

قد يكون الوالدان داخل دار رعاية لكنهما محاطان بحضور إنساني حقيقي
وقد يكونان داخل المنزل لكنهما يعيشان عزلة أشد قسوة من أي جدران.

في النهاية، لا يحتاج النقاش إلى حكم قاطع بقدر ما يحتاج إلى معيار واضح:
ليس المهم أين نضع آباءنا بل كيف نحفظ كرامتهم، ونصون مشاعرهم، ونبقى رغم كل الظروف حاضرين في حياتهم، لا غائبين خلف مبرر أن “هناك من يرعاهم بدلًا منا”.

سؤال الاستطلاع:
هل ترى أن دور رعاية المسنين تمثل تراجعًا في قيم الأسرة، كما ترى د.ليندا ؟
أم أنها حل إنساني ضروري في بعض الحالات، كما ترى د. شيرين ؟

معارض
مؤيد
مؤيد بشروط


كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *