لاهاي – تحقيق يكتبه رئيس تحرير تايم نيوز أوروبا بالعربي | سعيد السُبكي
قبل أيام قليلة من حلول الذكرى الثالثة عشرة لأحداث 30 يونيو، بدأت مجموعات من المصريين المقيمين في كثير من الدول الأوروبية في التحضير لسلسلة فعاليات وأنشطة تهدف إلى استعادة واحدة من أكثر المحطات السياسية تأثيرًا في تاريخ مصر الحديث.
وبينما تستعد حملة “مواطن” وعدد من الروابط والجمعيات المصرية بالخارج لإحياء المناسبة، يعود الجدل مُجددًا حول ما تمثله 30 يونيو بالنسبة للمصريين داخل الوطن وخارجه، وما الذي تغير في علاقة الجاليات المصرية بالدولة خلال السنوات الماضية.
في المقاهي العربية المنتشرة في مُدن أوروبية مثل لاهاي وأمستردام وبروكسل وباريس، وفي المجموعات الإلكترونية التي تجمع آلاف المصريين المقيمين في أوروبا، يتصدر الحديث عن ذكرى 30 يونيو النقاشات العامة. فبالنسبة لغالبلية أبناء الجاليات المصرية، تُمثل هذه المُناسبة لحظة إنقاذ للدولة المصرية من الانقسام والفوضى، بينما تراها قلة مارقة ” تتمثل فى عناصر متبقي من جماعة الاخوان المسلمين المحظورة ” محطة سياسية فارقة أجهضت أهداف تنظيم الاخوان وأنصارهم.
لكن بعيدًا عن الجدل السياسي، يتضح أن حملة “مواطن” تسعى هذا العام إلى تقديم الذكرى بوصفها مناسبة وطنية تتجاوز الخلافات، مركزة على ملفات التنمية والاستقرار والأمن القومي.
من القاهرة إلى العواصم الأوروبية
تأسست حملة “مواطن” قبل سنوات كمُبادرة تستهدف ربط المصريين المقيمين بالخارج بقضايا وطنهم الأم، وتحولت تدريجيًا إلى واحدة من أبرز المنصات التي تنظم فعاليات للمصريين في المهجر.
يقول منظمو الحملة إن الهدف الأساسي يتمثل في “إبقاء صوت المصريين بالخارج حاضرًا في القضايا الوطنية الكبرى، والتأكيد على ارتباطهم بالدولة المصرية مهما ابتعدت المسافات”.
وخلال السنوات الأخيرة، توسعت أنشطة الحملة لتشمل دولًا أوروبية عدة، أبرزها هولندا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وبريطانيا، إلى جانب انتشارها في دول الخليج وأمريكا الشمالية.
استعدادات مُبكرة
في مدن أوروبية عديدة بدأت الاستعدادات مبكرًا لإحياء الذكرى.
ففي هولندا، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات المصرية الناطقة بالعربية في أوروبا الغربية، يجري التنسيق لعقد لقاءات مفتوحة تجمع أبناء الجالية لمناقشة التحولات التي شهدتها مصر منذ عام 2013.
وفي بلجيكا وفرنسا، تتجه بعض الجمعيات المصرية إلى تنظيم ندوات ثقافية وإعلامية تستعرض مشروعات البنية التحتية والتنمية التي أُنجزت خلال السنوات الماضية.
أما في بريطانيا وألمانيا، فيجري الإعداد لحملات إلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف الجيل الثاني من أبناء المصريين المولودين في أوروبا لتعريفهم بالأحداث التي شهدتها بلادهم الأم.
لماذا 30 يونيو ما زالت حاضرة؟
رغم مرور ثلاثة عشر عامًا على الأحداث، لا تزال 30 يونيو حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية المصرية.
ففي ذلك اليوم خرج ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بانتخابات رئاسية مبكرة وإنهاء حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، قبل أن تعلن القوات المسلحة بعد أيام خارطة طريق جديدة للبلاد.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت مصر مرحلة سياسية مُختلفة شهدت تغيرات واسعة في بنية الدولة والاقتصاد والسياسة الخارجية.
وبالنسبة لكثير من المصريين المقيمين بالخارج، فإن الذكرى تمثل فرصة لإعادة تقييم تلك المرحلة وما ترتب عليها من نتائج.
خطاب يرتكز على التنمية
اللافت في خطاب حملة “مواطن” هذا العام هو تركيزه على التنمية أكثر من السياسة.
فبدلاً من استدعاء تفاصيل الصراع السياسي الذي سبق 30 يونيو، تركز المواد الإعلامية التي يجري إعدادها على مشروعات البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة والطاقة والمبادرات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويرى منظمو الحملة أن الحديث عن التنمية أصبح أكثر قدرة على توحيد المصريين من الجدل السياسي التقليدي، خصوصًا بين أبناء الجيلين الثاني والثالث في أوروبا الذين يهتمون بصورة مصر المُستقبلية أكثر من اهتمامهم بالصراعات القديمة.
الجيل الجديد من المصريين الأوروبيين
أحد التحديات التي تواجه أي نشاط للجاليات المصرية في أوروبا يتمثل في التواصل مع أبناء الجيل الجديد.
فكثير من الشباب المصريين الذين ولدوا في هولندا أو ألمانيا أو فرنسا لا يتابعون التفاصيل السياسية المصرية بنفس القدر الذي يتابعها آباؤهم.
ولهذا تسعى الحملة إلى استخدام وسائل جديدة للتواصل، من بينها مقاطع الفيديو القصيرة، والبودكاست، واللقاءات الشبابية، والأنشطة الثقافية التي تربط الهوية المصرية بالواقع الأوروبي المعاصر.
ويقول ناشطون في الجاليات المصرية إن الحفاظ على الارتباط الثقافي واللغوي مع مصر أصبح قضية لا تقل أهمية عن القضايا السياسية.
الأمن القومي في قلب الرسالة
يحتل مفهوم “الأمن القومي المصري” مساحة كبيرة في الرسائل التي تستعد الحملة لإطلاقها خلال الذكرى.
ويرى المشاركون أن المنطقة تمر بتحولات غير مسبوقة، سواء بسبب الحروب والصراعات الإقليمية أو التحديات الاقتصادية العالمية، وهو ما يجعل الحفاظ على استقرار الدولة أولوية بالنسبة لكثير من المصريين في الخارج.
وتربط الحملة بين ذكرى 30 يونيو وبين فكرة الحفاظ على مؤسسات الدولة وقدرتها على مواجهة الأزمات، معتبرة أن التجربة المصرية خلال العقد الماضي قدمت نموذجًا في تجنب سيناريوهات الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
بين الحنين والنقد
ورغم الطابع الاحتفالي الذي يغلب على فعاليات الذكرى، فإن المشهد داخل الجاليات المصرية ليس موحدًا بالكامل.
فكما هو الحال داخل مصر، تتنوع الآراء بين مؤيدين يرون في 30 يونيو نقطة تحول تاريخية أنقذت الدولة، وبين منتقدين يعتقدون أن المرحلة لا تزال بحاجة إلى مراجعات سياسية أوسع.
غير أن الملاحظ في أوساط الجاليات المصرية بأوروبا أن مساحة النقاش أصبحت أكثر هدوءًا مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، مع تراجع الاستقطاب الحاد الذي طبع السنوات الأولى بعد 2013.
مصر كما يراها أبناؤها في الخارج
ربما يكون البعد الأكثر أهمية في فعاليات ذكرى 30 يونيو خارج مصر هو أنها تعكس صورة العلاقة المتغيرة بين الوطن وأبنائه في المهجر.
فالمصريون الذين يعيشون في أمستردام أو بروكسل أو باريس أو لندن يتابعون ما يجري في بلادهم من مسافة جغرافية بعيدة، لكنهم يظلون مرتبطين بها وجدانيًا وثقافيًا.
ولهذا لا تُختزل الذكرى بالنسبة لهم في حدث سياسي وقع قبل ثلاثة عشر عامًا، بل تتحول إلى مناسبة للتفكير في معنى الانتماء ذاته:
كيف يُمكن لمواطن يعيش آلاف الكيلومترات بعيدًا عن وطنه أن يظل جزءًا من قصته؟
مع اقتراب الثلاثين من يونيو، تستعد الجاليات المصرية في أوروبا لإحياء الذكرى بطريقتها الخاصة؛ بين الندوات واللقاءات والرسائل الرقمية وفعاليات التواصل الاجتماعي.
وبغض النظر عن اختلاف المواقف السياسية، يبقى المؤكد أن 30 يونيو ما زالت حدثًا حاضرًا في الوجدان المصري، وأن أبناء مصر في الخارج لا يزالون ينظرون إليها باعتبارها محطة فارقة في تاريخ وطنهم، ومحورًا للنقاش حول الحاضر والمستقبل، وحول الدور الذي يمكن أن يلعبه المصريون في المهجر في دعم بلدهم والمُشاركة في صياغة صورته أمام العالم.
