د. محمد العبد
إنّ الباحث في أخبار آخر الزمان، يلاحظ أن الكتب السماوية تتحدث عن وعد إلهي يتمثل في وراثة المستضعفين والصالحين للأرض، وأن هناك منقذاً سيأتي ويملئ الأرض قسطأ وعدلاً بعد أن تكون ملئت ظلماً وجوراً، كما جاء في:
• التوراة: مزامير النبي داود (عليه السّلام) المزمور 37: ” والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض/9…الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد/29… والمزمور 72: (اللهمَّ أعطِ شريعتك للملك، وعدلك لابن الملك؛ ليحكم بين شعبك بالعدل، ولعبادك المساكين بالحق، ويخلّص البائسين، ويسحق الظالم، ويعم السّلام إلى يوم يختفي القمر من الوجود). الأوصاف الواردة في هذا النص تخصّ الرسول والإمام المهدي (عليهما الصلاة والسّلام)؛ إذ أنه سوف تظهر شخصيتان؛ إحداهما عُبِّر عنها بالملك صاحب الشريعة (اللهمّ أعطِ شريعتك للملك)، والأخرى
بابنه الذي سيقيم العدل (وعدلك لابن الملك). فالفرق بينهما في كون الأوّل نبياً صاحب شريعة، بينما الآخر مقتفٍ لأثر ذلك النبي، ومهمّته هي إقامة العدل.
• الانجيل: سفر رؤيا يوحنا 12: 1- 17: (وظهرت آية عظيمة في السماء؛ امرأة متسربله بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً…)، رؤيا يوحنا هذه جاءت لتروي لنا بأسلوب درامي كنائي ملحمة آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
• القرآن الكريم: “ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم وارثين، القصص5″… “ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون، الأنبياء105”.
المسلمون جميعاً متفقون على ظهور المهدي في آخر الزمان، إذ تذكر مراجعهم الكثير الكثير من الروايات والأحاديث المتواترة كما أشار إلى ذلك ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة :” الأحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة ومتواترة”، كما أن هذه الأحاديث أخرجها أكابر المحدثين كالإمام أحمد بن حنبل وأبي داوود وابن ماجة والحاكم والترمذي التي تناقلت كتبهم حديث النبي (ص): ” لو لم يبق في الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً”. وكما ورد أيضاً في صحيح البخاري “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم”. حتى أنّ ابن خلدون ذكر في مقدمته ص367: “لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويسمى بالمهدي”. كما ذكر هذا الحديث بألفاظ متشابهة الكثير من كتب التفسير والتاريخ.
ويبقى الخلاف بين المسلمين حول الإمام المهدي عليه السلام بين قول السنّة أنه لم يولد بعد وقول الشيعة بولادته، فالشيعة الامامية يعتقدون أن الامام المهدي هو الإمام الثاني عشر واسمه أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري، ولد في مدينة سامراء بالعراق في ليلة النصف من شعبان سنة 255 هجري، وأن والده ظل يحاول إخفاءه عن الناس خوفاً عليه من سطوة الدولة العباسية. وأن للمهدي غيبتين صغرى وكبرى، أما الغيبة الصغرى تبدأ من بداية إمامته حتى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، والغيبة الكبرى فهي بعد الأولى (حوالي سنة 330 هجري) إلى أن يقوم بإذن الله تعالى في آخر الزمان.
ولمن يستغرب وجود الإمام المهدي حياً لأكثر من 1100 سنة، عليه أن يتذكر قصص أصحاب الكهف الذين أماتهم الله أكثر من ثلاثة قرون ثم بعثهم، ونوح عليه السلام الذي (لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً)، ويونس عليه السلام (فلولا أنه كان من المسبحين، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون)، وسيدنا عيسى الذي رفعه الله إليه (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) وأنه سينزل آخر الزمان، ويتذكر إبليس اللعين الذي خلقه الله قبل آدم ومازال حياً يواكب مسيرة البشر من أول خلقته إلى يوم فنائه، فهو حي ومخفي ولم ولن يراه أحد وهو يرى كل الناس. وبعد كل هذا لماذا نستغرب وجود المهدي مخفياً لفترة من الزمان لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى؟.
إن المجتمع الإنساني، وبسبب شيوع الظلم والفساد الذي يبيح القتل والحروب ونهب خيرات الشعوب ونشر الأوبئة كما نرى ونسمع الآن، سيصل إلى حد يقنط معه من تحقيق الإصلاح بيد البشر، مما يجعله يؤمن بأن الإصلاح لا يتحقق إلا بظهور إعجاز إلهي، وحضور قوة غيبية، تدمر كل تلك التكتلات البشرية الفاسدة، التي قيدت بأسلاكها أعناق البشر. ومن هنا فإن حكومة الإمام المهدي عليه السلام لا تتحقق بالحروب بقدر ما تتحقق برغبة الناس إليها وتأييدهم لها، لأنها ستحررهم من نير الظالمين والمستكبرين الذين عاثوا في الأرض فساداً، فيرث الصالحون الأرض وبذلك يتحقق الوعد الإلهي كما جاء في سورة النور55 “”وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض”.
