القائمة

ليندا سليم 3 ساعات مضت 0 6.6 ألف

طَلَّقْنِي

بقلم: د. ليندا سليم

كم امرأة كانت ستُطلَّق لو أن زوجها وافقها في اللحظة التي صرخت فيها: «طلّقني»؟

وكم رجلًا ربما كان سيخسر شريكة عمره لو أنه تعامل مع هذه الكلمة باعتبارها قرارًا نهائيًا، لا كلمة خرجت من قلب موجوع أو نفس غاضبة؟

الحقيقة أن بعض النساء يقلن «طلّقني» وهن لا يعرفن، في تلك اللحظة تحديدًا، هل يردن الطلاق فعلًا، أم يردن أن يسمعن كلمة تطمئنهن، أو أن يشعرن بأن وجعهن قد وصل أخيرًا إلى الطرف الآخر.

لكن النساء لسن سواء، والمواقف ليست واحدة؛ فهناك من تقولها غضبًا، ومن تقولها يأسًا بعد سنوات من المحاولات، ومن تقولها لأنها اتخذت قرارها بالفعل، ولم يعد لديها ما تتمسك به.

وهنا تبدأ الحكاية!

تخيّلوا معي امرأة اختلفت مع زوجها، وبلغ بها الغضب مداه، فقالت له: «طلّقني».

ماذا سيفعل الزوج؟

هناك من يرد عليها فورًا: «أنتِ طالق»، وكأنه كان ينتظر منها أن تمنحه الإشارة الأخيرة، متجاهلًا أن الكلمة قد تفتح بابًا لا يستطيع إغلاقه بمجرد أن تهدأ النفوس.

وهناك من يرفع صوته، ويصرخ: «مش هطلّق!»، فتتحول المشاجرة إلى معركة إرادات، كل طرف فيها يريد أن يثبت أنه الأقوى، بينما تضيع المشكلة الأصلية وسط الصراخ.

وهناك من يكبر دماغه، ويلتزم الصمت، ويتركها تواجه غضبها وحدها؛ فلا هو ناقشها، ولا هو احتواها، ولا هو حاول أن يفهم ما الذي دفعها إلى هذه النقطة.

وهناك زوج آخر، ربما يكون أكثر هدوءًا، ينظر إليها ويقول: «أنا مقدرش أستغنى عنك، ومش عايز أخسرك».

وقد تكون هذه الجملة وحدها كافية لتطفئ نارًا اشتعلت في قلبها، لا لأنها انتصرت في الخلاف، ولكن لأنها شعرت بأن مكانتها عنده لم تسقط بمجرد أن اختلفا.

لكن ماذا لو لم يقل شيئًا من ذلك كله؟

ماذا لو تركها تخبط رأسها في الحائط، بالمعنى النفسي للكلمة، حتى تتعب وتبكي وتسكت، ثم عاد إلى حياته وكأن شيئًا لم يحدث؟

هنا لا تكون المشكلة في أنه لم يوافق على الطلاق، بل في أنه لم يحاول فهم ما وراء طلبه.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا سيفعل الزوج؟ بل: ماذا ستفعل المرأة بعد ذلك؟

هل ستتراجع بمجرد أن يهدأ غضبها، وتكتشف أنها لم تكن تريد الفراق بقدر ما كانت تريد تغييرًا في طريقة معاملته لها؟

هل ستكرر كلمة «طلّقني» في كل خلاف، حتى تفقد الكلمة معناها، ويعتاد الزوج سماعها فلا يعود يتأثر بها؟

أم ستكتشف، بعد مرات طويلة من الاستغاثة، أنها لم تعد تطلب الطلاق غضبًا، بل أصبحت تفكر فيه بجدية لأنها لم تجد سبيلًا آخر للخروج من علاقة تستنزفها؟

وهل كل امرأة تتراجع عن طلب الطلاق تكون ضعيفة؟ وهل كل امرأة تتمسك به تكون متسرعة؟

بالطبع لا.

فالتراجع قد يكون حكمة إذا صاحبه إصلاح حقيقي، وقد يكون خوفًا من المجهول إذا بقيت المشكلة كما هي. والتمسك بالانفصال قد يكون تسرعًا في لحظة غضب، وقد يكون قرارًا ناضجًا بعد استنفاد فرص الإصلاح.

إن بعض النساء لا يحتجن إلى زوج يوافقهن على كل كلمة، ولا إلى رجل يرفض كل كلمة، بل إلى شريك يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت حتى تهدأ النفوس، ومتى يقترب ليحتوي، ومتى يواجه المشكلة بدلًا من الهروب منها.

وفي المقابل، تحتاج المرأة أيضًا إلى أن تدرك أن الكلمات التي تُقال في لحظات الغضب قد تترك آثارًا لا تمحوها المصالحة بسهولة، وأن طلب الطلاق ليس وسيلة آمنة لاختبار الحب أو قياس مقدار التمسك بها.

فليس مطلوبًا منها أن تكتم وجعها، ولا أن تتنازل عن كرامتها، ولكن أن تتعلم التعبير عن ألمها بوضوح، وأن تفرّق بين رغبتها في إنهاء العلاقة ورغبتها في إنهاء الوضع الذي يؤلمها داخلها.

أما الزوج، فليس مطلوبًا منه أن يستجيب لكل انفعال، ولا أن يعيش خائفًا من كل خلاف، وإنما أن يدرك أن التجاهل المستمر ليس قوة، وأن الصمت الذي يترك الطرف الآخر وحيدًا في ألمه قد يهدم ما لا تهدمه المشاجرات.

وإذا تكررت كلمة «طلّقني»، فبدلًا من تحويلها إلى مباراة في العناد، ربما يكون السؤال الأجدر: «هل أنتِ فعلًا تريدين الانفصال، أم أنكِ وصلتِ إلى مرحلة لم تعودي تحتملين فيها ما يحدث بيننا؟».

ثم يأتي دور الحوار الصادق، لا الوعود المؤقتة، ولا التهديدات المتبادلة.

قبل أن تقولي: «طلّقني»، اسألي نفسك: هل أريد أن أخرج من هذه العلاقة، أم أريد أن تتغير هذه العلاقة؟

وكذلك أنت، حين تسمعها منها، لا تتعامل مع الكلمة باعتبارها فرصة للانتصار عليها، ولا باعتبارها اختبارًا عليك أن تنجح فيه بإجبارها على البقاء.

حاول أن تفهم ما وراءها، لكن لا تفترض أنك تعرف نيتها أكثر منها؛ فقد تكون غاضبة فعلًا، وقد تكون قد استنفدت قدرتها على الاحتمال.

فبعض البيوت لا ينقصها الحب بقدر ما ينقصها حسن التعامل وقت الخلاف، وبعض العلاقات لا تنتهي لأن أحد الطرفين أراد الرحيل في لحظة، بل لأن أحدهما ظل يطلب التغيير طويلًا، بينما ظل الآخر يتصرف وكأن الوقت في صالحه.

«طلّقني» ليست دائمًا رغبة في الفراق، لكنها ليست دائمًا صرخة عابرة أيضًا. وبين الاحتمالين، قد تنجو علاقة بالحوار، وقد تنتهي علاقة كان ينبغي إصلاحها منذ زمن.

فلا تجعلوا لحظة الغضب صاحبة القرار، ولا تجعلوا الصبر اسمًا آخر لإهدار العمر.

لأن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس: مَن انتصر في الخلاف؟

بل: هل بقي بيننا ما يستحق أن نحاول من أجله، وهل ما زال كل منا مستعدًا لأن يفعل شيئًا حقيقيًا حتى لا يخسر الآخر؟

فإن أمكن الإصلاح بالمعروف، فاسعيا إليه، وإن تعذرت العشرة، فليكن القرار بوعي وإحسان، لا باندفاع وانتقام.

فليس كل بقاء نجاة، وليس كل فراق هزيمة؛ إنما النجاة أن نتقي الله في بعضنا، وألا نظلم باسم الحب، وألا نؤذي باسم الكرامة.

والله سبحانه يقول: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان}

كتب بواسطة

الدكتورة ليندا سليم هي كاتبة صحفية وباحثة حاصلة على درجة الدكتوراه، وتُعرف بمقالاتها وآرائها الإعلامية المنشورة في منصات مثل تايم نيوز أوروبا بالعربي وموقع التعليم اليوم, حيث تناقش قضايا التعليم، وأبناء المصريين في الخارج، والشؤون الاجتماعية والثقافية.

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *