على العرب أن يستوعبوا الدروس: المصالح الدولية لا تعرف العواطف في كل مرة يظن فيها البعض أن الرياضة بعيدة عن صراعات السياسة، تأتي الأحداث لتذكرنا بأن الملاعب ليست دائمًا معزولة عن موازين القوى في العالم.
من قضية إلى أخرى، يتكرر السؤال نفسه: هل العدالة الدولية مبدأ ثابت للجميع، أم أنها تتأثر بالقوة والنفوذ والمصالح؟ عندما تتدخل السياسة في الرياضة، كما حدث في الجدل حول قرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم، أو عندما تُثار اتهامات بالتأثير على المؤسسات الرياضية، يشعر كثيرون بأن قواعد المنافسة لا تكون دائمًا متساوية بين الجميع.
ويستعيد العرب في ذاكرتهم أحداثًا تاريخية كبرى، منها حرب أكتوبر عام 1973، حين قدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا واسعًا لإسرائيل، في إطار الصراع الدولي آنذاك، وهو ما اعتبرته دول عربية محاولة للحد من المكاسب العسكرية المصرية.
كما يستحضرون ما حدث في فلسطين، وخاصة الحرب على غزة، حيث تعرضت إسرائيل لانتقادات دولية واسعة بسبب حجم الدمار وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وسط اتهامات بارتكاب جرائم ابادة الجنس البشري وانتهاكات للقانون الدولي، بينما واجه المُجتمع الدولي انتقادات بسبب عجزه وتقاعسه عن وقف الحرب.
ولا ينسى كثيرون مأساة مذبحة سربرنيتسا خلال حرب البوسنة، حيث وقعت كارثة انسانية راح ضحيتها آلاف المسلمين البوسنيين رغم وجود قوات دولية ” هولندية ” لحفظ السلام، وهو حدث شكل جرحًا عميقًا في الثقة بقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين.
كما بقي غزو العراق عام 2003 محطة خلافية كبرى، بعدما استندت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى اتهامات بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهي الأسلحة التي لم يتم العثور عليها لاحقًا، ما أدى إلى جدل عالمي واسع حول مُبررات الحرب ونتائجها.
واليوم يستمر الجدل حول الملف النووي في الشرق الأوسط، حيث تواجه إيران ضغوطًا دولية بسبب برنامجها النووي، بينما يشير منتقدون إلى عدم خضوع القدرات النووية الإسرائيلية للرقابة الدولية نفسها. أمام هذه الخلفية التاريخية والسياسية، يصبح السؤال الذي يطرحه كثيرون:
إذا كانت العدالة الدولية نفسها موضع شك لدى قطاعات واسعة من الشعوب، فهل يمكن انتظار عدالة كاملة داخل ملعب كرة قدم؟
لكن الدرس الأهم ليس الاستسلام أو قبول الظلم، بل بناء القوة: قوة المعرفة، وقوة المؤسسات، وقوة الاقتصاد، وقوة الحضور السياسي والإعلامي. فالعالم لا يحترم الضعفاء، والحقوق لا تُمنح دائمًا، بل تحتاج إلى من يدافع عنها بالوعي والعمل والتنظيم.
السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا لا تكون العدالة متساوية؟ بل أيضًا: ماذا فعلنا نحن لنمتلك القدرة على فرض احترام حقوقنا؟
دور هولندا
ماثبت تاريخيًا هو أن: مذبحة سربرنيتسا ثبت انها جريمة إبادة جماعية من قبل محاكم دولية. كانت الكتيبة الهولندية التابعة لقوات الأمم المتحدة (Dutchbat) مسؤولة عن حماية المنطقة الآمنة في سربرنيتسا، لكنها تقاعست في منع وقوع المذبحة.
وقد صدر تقرير موسع عن المعهد الهولندي لتوثيق الحرب عام 2002 انتقد بشدة الظروف والقرارات التي أحاطت بالمهمة. عقب نشر التقرير، قدمت حكومة فيم كوك استقالتها في أبريل/نيسان 2002، متحملة المسؤولية السياسية عن فشل المهمة، وذلك قبل الانتخابات المقررة آنذاك.
كما أصدرت المحاكم الهولندية لاحقًا أحكامًا حملت الدولة الهولندية مسؤولية قانونية جزئية عن وفاة عدد من الرجال البوسنيين الذين أُخرجوا من قاعدة القوات الهولندية ثم قُتلوا.
الدولة الهولندية حُمّلت مسؤولية قانونية جزئية في ظروف محددة، وهي صياغة تستند إلى ما انتهت إليه التحقيقات والأحكام.
“وفي سربرنيتسا، لم تكن المأساة مجرد جريمة إبادة جماعية، بل تحولت أيضًا إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية في هولندا. فقد كشف تقرير المعهد الهولندي لتوثيق الحرب عن إخفاقات جسيمة رافقت مهمة الكتيبة الهولندية التابعة للأمم المتحدة في حماية المدنيين، وهو ما دفع حكومة فيم كوك إلى الاستقالة عام 2002، في سابقة نادرة تحملت فيها حكومة المسؤولية السياسية عن فشل مهمة دولية.
كما حمّلت المحاكم الهولندية الدولة لاحقًا مسؤولية قانونية جزئية عن مصير عدد من الضحايا الذين كانوا داخل نطاق حماية قواتها.” .
