الراكب الذي لم أنسه
من الغريب…
أننا أحيانًا ننسى أسماء أشخاص عرفناهم سنوات.
ونتذكر وجه إنسان جلس بجوارنا في رحلة قطار لم تتجاوز ساعات.
تأملت هذا كثيرًا…
واكتشفت أن العمر لا يُقاس بطول اللقاء.
بل بعمق الأثر.
في كل رحلة…
كان يجلس بجوارك شخص مختلف.
منهم من يفتح حديثًا طويلًا، كأنه يعرفك منذ سنوات.
ومنهم من يقضي الرحلة كلها صامتًا، ثم يبتسم عند النزول، فتشعر أن تلك الابتسامة كانت حديثًا كاملًا.
ومنهم من يشاركك كوب شاي…
أو يساعدك في رفع حقيبتك…
ثم يغادر دون أن يسألك حتى عن اسمك.
لكنك لا تنساه.
تعلمت من القطار…
أن بعض الناس يدخلون حياتنا لأسباب لا نعرفها.
ليس ليبقوا…
بل ليتركوا أثرًا.
قد تكون كلمة قالها معلم، فغيّرت مستقبل طالب.
أو نصيحة قالها رجل مسن لشاب لا يعرفه.
أو دعاء سمعته من أم لابنها، فبقي يرافقك كلما ضاقت بك الأيام.
وأحيانًا…
لا يكون الأثر في الكلام.
بل في الموقف.
في يد امتدت لتساعد.
في مقعد أفسحه لك غريب.
في احترام من شخص لم يلتقِ بك إلا مرة واحدة.
عندها أدركت…
أن الإنسان لا يخلده طول بقائه في حياتنا…
بل جودة الأثر الذي يتركه.
ولذلك…
لم أعد أسأل نفسي:
كم شخصًا عرفت؟
بل أصبحت أسأل:
كم شخصًا غيّر فيَّ شيئًا؟
وكم شخصًا كنت أنا سببًا في أن يبتسم، أو يطمئن، أو يواصل طريقه؟
فربما…
كنت أنت أيضًا الراكب الذي لم ينسه أحد.
دون أن تعلم.
ومع اقتراب القطار من المحطة الأخيرة في تلك الرحلة…
وقف الرجل الذي جلس إلى جواري.
ابتسم.
صافحني.
وقال:
“رحلة سعيدة.”
ثم نزل.
لم أعرف اسمه.
ولم أره مرة أخرى.
لكنني كلما ركبت قطارًا…
تذكرت أن بعض الناس لا يطول حضورهم…
لكنهم يطيلون أثرهم.
تذكرة من نافذة القطار
لا تنشغل بطول بقائك في حياة الناس… وانشغل بجمال الأثر الذي تتركه قبل أن تنزل في محطتك.
