القائمة

رقمنة لم تزدنا إلا تضليلاً وضلالة

Linda Seleem 10 ساعات مضت 0 4.5 ألف

لم تدخل الرقمنة حياتنا كأداة فقط، بل دخلت كعالم كامل، غيّرت فيه شكل المعرفة، والسياسة، والاقتصاد، والحروب، وحتى طريقة تفكير الإنسان ونظرته لنفسه وللآخرين.

قيل لنا إن الرقمنة ستجعل العالم أكثر شفافية، وإن الحقيقة ستصبح متاحة للجميع، وإن المعلومة لن يستطيع أحد احتكارها بعد اليوم، لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً،فبدلاً من أن تنهي الرقمنة عصر الكذب، صنعت عصراً جديداً أكثر تعقيداً، لم نعد نعرف فيه أين الحقيقة وأين الرواية المصنوعة،فنحن اليوم لا نعيش عصر المعلومات كما يقال، بل نعيش عصر إدارة المعلومات، وهناك فرق خطير بين الاثنين.

في الماضي كان من يملك المعلومة يملك القوة، أما اليوم فالقوة لمن يستطيع توجيه المعلومة، أو إخفاءها، أو تشويهها، أو إغراق الناس بآلاف المعلومات حتى تضيع الحقيقة بينها، وهنا تحولت الرقمنة من وسيلة معرفة إلى وسيلة صراع على الوعي، ومن أداة تواصل إلى أداة تأثير، ومن منصة حرية إلى ساحة حرب باردة لا يراها الناس.

أخطر ما ظهر أثره في الحروب الحديثة، حيث لم تعد الحروب تبدأ بالصواريخ، بل تبدأ بالخبر، وبالصورة، وبالفيديو، وبالهاشتاغ،و اليوم يمكن لحرب أن تُدار إعلامياً قبل أن تُدار عسكرياً، ويمكن لدولة أن تنتصر في الإعلام وهي تخسر على الأرض، ويمكن لجهة أن تظهر في صورة الضحية وهي في الحقيقة جزء من الصراع. لقد أصبحت الحرب ثلاث حروب:حرب عسكرية، وحرب إعلامية، وحرب رقمية، وغالباً ما تكون الحرب الرقمية هي التي تحدد من سيربح سياسياً في النهاية.

كم من صورة هزّت العالم ثم تبيّن أنها من حرب قديمة، وكم من فيديو انتشر على أنه جريمة جديدة ثم اكتُشف أنه مفبرك أو خارج السياق، وكم من حسابات وهمية أشعلت كراهية بين شعوب، وحرّضت على صراعات، ورفعت أسهماً، وأسقطت شركات، وغيرت رأي عام بأكمله.

التضليل في الحروب لم يعد خطأ إعلامياً، بل أصبح جزءاً من الاستراتيجية، لأن كسب الرأي العام العالمي أصبح أحياناً أهم من كسب المعركة نفسها،لكن الأخطر من التضليل هو الضلالة، فالتضليل أن تصلك معلومة كاذبة، أما الضلالة فهي أن تظن أنك تعرف الحقيقة بينما أنت لا تعرف إلا ما سُمح لك أن تعرفه و التضليل يكون في خبر، أما الضلالة فتكون في الوعي كله، في نظرتك للأحداث، وفي تحديدك لمن هو المظلوم ومن هو الظالم، وفي مواقفك التي بنيتها على معلومات قد لا تكون صحيحة من الأساس .

لم يتوقف أثر الرقمنة عند السياسة والحروب فقط، بل امتد إلى الاقتصاد أيضاً،فاليوم لم يعد النفط وحده هو الثروة، بل البيانات أصبحت هي الثروة الأكبر ومن يملك بيانات الناس يملك سلوكهم الاستهلاكي، ويعرف ماذا يشترون، وماذا يريدون، وماذا يخافون، ومتى يسافرون، وماذا يبحثون، وبذلك يستطيع توجيه الأسواق، والإعلانات، وحتى القرارات الاقتصادية. ولهذا أصبحت شركات التكنولوجيا من أقوى الكيانات في العالم، لأنها لا تملك مصانع فقط، بل تملك معلومات عن البشر أنفسهم.

أما نفسياً، فقد صنعت الرقمنة إنساناً يعيش في مقارنة دائمة ويرى حياة الآخرين في أفضل صورها، فيظن أن الجميع سعداء إلا هو، وأن الجميع ناجحون إلا هو، وأن الجميع يعيشون حياة أفضل منه، بينما هو في الحقيقة يرى لحظات منتقاة ومعدلة وليست الحياة الحقيقية.

وهكذا زادت الرقمنة القلق، والمقارنة، والشعور بالنقص، رغم أنها كانت تهدف في الأصل إلى تسهيل الحياة لا تعقيدها.وإذا وصلنا إلى الجانب الأخلاقي، نجد أن المشكلة الحقيقية لم تكن في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب الأمانة عند استخدامها،فالتكنولوجيا أداة، يمكن أن تُستخدم لنشر العلم، ويمكن أن تُستخدم لنشر الكذب، يمكن أن تُستخدم للتقريب بين الناس، ويمكن أن تُستخدم لإشعال الكراهية بينهم. في الماضي كان الكذب يحتاج جهداً ووقتاً ليصل إلى عدد كبير من الناس، أما اليوم فيكفي زر واحد لينتشر الكذب إلى ملايين البشر خلال دقائق.

المشكلة أن العالم تطور تكنولوجياً بسرعة هائلة، لكنه لم يتطور أخلاقياً بالسرعة نفسها، فامتلك الإنسان قوة هائلة دون أن يمتلك دائماً الضمير الذي يوازي هذه القوة، وهنا أصبح الخطر ليس في الرقمنة، ولا في الإنترنت، ولا في الذكاء الاصطناعي، بل في الإنسان نفسه حين يمتلك منصة بلا أخلاق، ومعلومة بلا أمانة، وقوة تأثير بلا مسؤولية.لهذا يمكن القول إن الرقمنة، رغم كل ما قدمته من علم وسرعة وتطور، لم تجعل العالم أكثر وضوحاً كما كنا نعتقد بل جعلته أكثر ضبابية، وأكثر صراعاً على الرواية، وأكثر قابلية للتضليل، وأكثر عرضة للضلالة لقد أصبح العالم يعرف أكثر لكنه لا يفهم أكثر بالضرورة، ويرى أكثر، لكنه لا يعرف الحقيقة دائماً ويسمع أصواتاً كثيرة، لكنه لا يعرف أيها الصادق،وربما أخطر ما في كل هذا، أن الإنسان اليوم يظن أنه يعرف كل شيء لأنه يحمل هاتفاً في يده، بينما الحقيقة أنه قد لا يعرف من الحقيقة إلا الجزء الذي سُمح له أن يراه، وهنا لا تكون المشكلة أننا لا نعرف، بل المشكلة أننا نظن أننا نعرف، وتلك هي الضلالة الكبرى .

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *