القائمة

النداهة

Linda Seleem 7 ساعات مضت 0 9.2 ألف

بقلم د.ليندا سليم

في الريف المصري القديم، كانت “النداهة” أسطورة تتناقلها الأجيال، امرأة غامضة تظهر ليلًا على شاطئ الترعة، تنادي باسم ضحيتها بصوت يعرفه جيدًا، فيسير خلفها مسلوب الإرادة حتى يختفي أو يهلك.

ورغم أن كثيرين تعاملوا معها باعتبارها خرافة شعبية، فإن النداهة لم تمت، بل غيّرت شكلها فقط.

فالإنسان المعاصر ما زال يسمع النداء ذاته، لكن من مصادر مختلفة؛ مرة من شاشة هاتف، ومرة من شهوة عابرة، ومرة من وهم الثراء السريع، ومرة من إعجاب يتحول إلى افتتان ثم إلى سقوط.

في القراءة السيميائية، تمثل النداهة رمزًا لكل قوة تجذب الإنسان بعيدًا عن عقله وبصيرته، إنها ليست امرأة بقدر ما هي فكرة، وليست شخصًا بقدر ما هي حالة من الانجذاب المرضي نحو ما يبدو جميلًا في ظاهره وخطرًا في جوهره.

وهنا يلتقي الموروث الشعبي مع المعنى القرآني العميق في قوله تعالى:

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.

فالشيطان لا يبدأ غالبًا بالكبائر، بل بالخطوات الصغيرة، نظرة، ثم فكرة، ثم رغبة، ثم تبرير، ثم اعتياد، حتى يجد الإنسان نفسه في مكان لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إليه.

والمدهش أن النداهة في الحكايات الشعبية كانت تعرف اسم ضحيتها وكذلك نقاط الضعف في حياتنا تعرف أسماءنا جيدًا ، فهي لا تدخل من باب القوة، بل من باب النقص والاحتياج؛ احتياج إلى الحب، أو الاعتراف، أو المال، أو الشهرة، أو الهروب من واقع مؤلم.

ومن هنا يصبح الخبل ليس فقدان العقل بالمعنى الطبي، بل تعطيل البصيرة، ويصبح السقوط نتيجة طبيعية عندما يتوقف الإنسان عن مراجعة نفسه ويستسلم لنداء الرغبة أو الوهم.

وفي السنة النبوية إشارات بليغة إلى خطورة الانجراف وراء الهوى، حين قال النبي ﷺ: “حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات”. فالمشكلة ليست في وجود الرغبات، وإنما في أن تتحول الرغبة إلى قائد، بينما يتحول العقل والقيم إلى تابع.

وفي عصرنا الحالي، لم تعد النداهة تقف على شاطئ الترعة، بل أصبحت حاضرة في كل مكان. قد تكون حسابًا على مواقع التواصل، أو فكرة متطرفة، أو علاقة سامة، أو نمطًا استهلاكيًا يدفع الإنسان إلى الجري المستمر خلف ما لا يحتاجه.

ولهذا فإن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس الفقر المادي وحده، بل فقر الوعي، لأن الإنسان الواعي قد يسمع النداء لكنه لا يتبعه، ويرى الإغراء لكنه لا ينخدع به، ويشعر بالرغبة لكنه لا يسمح لها أن تقوده.

لقد تغيرت أشكال النداهة، لكن النجاة ما زالت واحدة: عقل يفكر، وقلب يراقب الله، ووعي يميز بين النداء الذي يقود إلى الحياة، والنداء الذي يقود إلى الضياع.

فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يدفع الإنسان بقوة نحو الهاوية، يكفيه أحيانًا أن يجعله يمشي إليها بنفسه وهو يظن أنه يتجه نحو النور.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *