القائمة

العلمين.. عندما تتحول الرؤية المصرية لأفريقيا من السياسة إلى الاقتصاد

ماجدة محمود يومين مضت 0 5.6 ألف

د.ماجدة محمود

لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في افتتاح الدورة الأولى من منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» مجرد كلمة افتتاحية في مناسبة اقتصادية، كما لم يكن اختيار مدينة العلمين الجديدة لاستضافة هذا الحدث تفصيلًا عابرًا في المشهد. فالكلمة حملت رؤية أوسع لطبيعة التحولات التي يشهدها العالم، ولموقع القارة الأفريقية في النظام الدولي الجديد، ولدور مصر في دفع العلاقات الأفريقية من دائرة الخطاب السياسي التقليدي إلى فضاء الشراكات الاقتصادية والاستثمارية العابرة للحدود.

فالمنتدى، الذي جاء ثمرة مبادرة مصرية أقرها الاتحاد الأفريقي، وبمشاركة مفوضية الاتحاد الأفريقي ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا – نيباد» والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، يقدم منصة دورية تجمع الحكومات والمؤسسات المالية ومجتمع الأعمال والشركات الكبرى والشركات الناشئة في مساحة واحدة بمدينة العلمين. والفكرة الأساسية هنا ليست عقد مؤتمر اقتصادي جديد، وإنما محاولة بناء آلية مؤسسية تساعد على تحويل الإمكانات الأفريقية الضخمة إلى مشروعات وشراكات وتجارة واستثمارات فعلية.

ومن هنا يمكن فهم المدخل الذي اختاره الرئيس السيسي في كلمته عندما بدأ من نقطة تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها سياسية واستراتيجية، عندما أكد أن «التنمية الاقتصادية لا تبنى في دول غير مستقرة، وأن الاستقرار ليس ترفًا». هذه العبارة تختصر جانبًا أساسيًا من الرؤية المصرية للعلاقة بين الأمن والتنمية.

فالمستثمر يحتاج إلى دولة مستقرة، والأسواق تحتاج إلى قواعد واضحة، والمشروعات طويلة الأجل تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية قادرة على حماية حركة التجارة والاستثمار، بينما تؤدي الأزمات والنزاعات إلى تعطيل سلاسل الإمداد وإضعاف الاقتصادات وتوسيع دوائر الفقر والبطالة.

واللافت أن الرئيس لم يتحدث عن الاستقرار باعتباره هدفًا منفصلًا عن التنمية، بل وضعهما في علاقة متبادلة؛ فالأمن والاستقرار يهيئان البيئة اللازمة للنمو، بينما يمكن للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتعزيز التجارة أن تسهم بدورها في دعم استقرار المجتمعات.

وفي السياق الأفريقي، ربط الرئيس هذه الرؤية بدعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، واحترام السيادة والوحدة، وتغليب الحلول السلمية للنزاعات، وصون مبدأ حسن الجوار. وهي رسالة تتجاوز الاقتصاد بمعناه الضيق إلى تصور متكامل للأمن والتنمية والتكامل القاري.

وهنا تظهر إحدى أهم دلالات كلمة الرئيس: مصر لا تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مجرد نطاق جغرافي أو مجالًا للتحرك الدبلوماسي، وإنما باعتبارها فضاءً اقتصاديًا واستراتيجيًا يمكن أن يكون أحد مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

وهذا يتسق مع تأكيد الرئيس أن أفريقيا تمتلك موارد طبيعية وبشرية هائلة، وأنها قارة شابة، وأنها تسعى إلى أن تكون شريكًا مؤثرًا في صياغة النظام الدولي.

لكن المشكلة التي طرحها الرئيس بوضوح هي أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية. فالقارة تمتلك الموارد والطاقة والأسواق والكوادر البشرية، لكنها لا تزال تواجه فجوات في البنية الأساسية والتمويل والتصنيع والتجارة البينية وتبادل المعلومات.

ولذلك جاءت الأرقام التي أوردها الرئيس بشأن طبيعة تعاملات القطاع الخاص الأفريقي والتجارة البينية لتكشف عن مفارقة شديدة الأهمية: أفريقيا تمتلك سوقًا قارية ضخمة، لكنها لا تستفيد بعد بالقدر الكافي من إمكاناتها الداخلية.

فبحسب ما عرضه الرئيس، فإن القطاع الخاص الأفريقي يمثل المحرك الأكبر لاقتصادات القارة، بينما تتم النسبة الأكبر من تعاملاته مع شركات من خارج القارة، في الوقت الذي لا تزال فيه التجارة البينية الأفريقية محدودة مقارنة بإجمالي تجارة القارة.

وهنا تحديدًا تتضح فلسفة إنشاء منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال».

فالمشكلة ليست دائمًا غياب الفرص، وإنما غياب المعرفة الكافية بهذه الفرص، وضعف قنوات الاتصال بين المستثمرين، وصعوبة الوصول إلى الشركاء والأسواق والتمويل.

ولذلك وصف الرئيس المنتدى بأنه «جسر مؤسسي» لكسر حاجز العزلة وسد فجوة المعلومات. وهذه ربما تكون إحدى أهم الرسائل الاقتصادية في الكلمة؛ فالتكامل الأفريقي لن يتحقق بالاتفاقيات السياسية وحدها، وإنما يحتاج إلى رجال أعمال يعرف بعضهم بعضًا، ومؤسسات مالية تستطيع تمويل المشروعات، وشركات تبحث عن شركاء داخل القارة، ومعلومات متاحة عن الأسواق، وشبكات نقل وطاقة واتصالات قادرة على ربط الدول الأفريقية ببعضها البعض.

ومن هنا أيضًا جاء تركيز الرئيس على اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية. فالاتفاقية لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد وجودها على المستوى القانوني، وإنما عندما تتحول إلى حركة فعلية للسلع والخدمات والاستثمارات ورؤوس الأموال بين الدول الأفريقية.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام القارة هو الانتقال من «التكامل النظري» إلى «التكامل العملي».

وفي هذا السياق، يبدو تركيز المنتدى على الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة جزءًا مهمًا من رؤية أوسع. فالمستقبل الاقتصادي لأفريقيا لن تصنعه الشركات العملاقة وحدها، وإنما ستلعب الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة دورًا متزايدًا في خلق فرص العمل، وتقديم الحلول التكنولوجية، وتطوير الخدمات، وربط الأسواق المحلية بالأسواق الإقليمية والقارية.

كما أن حضور المؤسسات المالية إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص يضيف بعدًا آخر للمنتدى، لأن واحدة من أكبر العقبات أمام تحويل الفرص الأفريقية إلى مشروعات هي مسألة التمويل.

ومن هنا فإن بناء شراكات بين رأس المال الأفريقي والمؤسسات المالية والمستثمرين يمكن أن يساعد على سد جزء من فجوة التمويل التي تعرقل تنفيذ مشروعات البنية الأساسية والطاقة والتصنيع والتحول الرقمي وغيرها من القطاعات.

ولم يكن اختيار العلمين الجديدة عرضًا جماليًا فقط. فالرئيس استحضر في كلمته مفارقة تاريخية شديدة الدلالة؛ مدينة كانت شاهدة على واحدة من أكبر معارك الحرب العالمية الثانية، أصبحت نموذجًا لمدينة حديثة ومركزًا لاستضافة اجتماعات وفعاليات أفريقية ودولية.

ومن الناحية الرمزية، تحمل هذه الصورة رسالة واضحة: الأماكن التي شهدت صراعات الماضي يمكن أن تتحول إلى منصات لبناء المستقبل.

وتكتسب هذه الرمزية أهمية أكبر مع تزامن المنتدى مع استضافة مدينة العلمين لاجتماعات وفعاليات مرتبطة بالعمل الأفريقي المشترك، بما يعكس الترابط بين المسار السياسي والاقتصادي في القارة.

وهذا ما أشار إليه الرئيس عندما تحدث عن «الترابط العضوي بين العمل السياسي والعمل الاقتصادي».

والأهم أن كلمة الرئيس جاءت في توقيت دولي شديد الحساسية، حيث تتداخل الأزمات الجيوسياسية مع اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والأسمدة والوقود.

ولذلك لم ينظر الرئيس إلى الاقتصاد الأفريقي بمعزل عن التحولات الدولية، بل وضع القارة أمام سؤال أكبر: كيف يمكن لأفريقيا أن تتحول من متلقٍ لتداعيات الأزمات العالمية إلى طرف قادر على حماية مصالحه والتأثير في صياغة النظام الدولي؟

هذه النقطة تحديدًا تمنح عبارة الرئيس بأن «القرن الحادي والعشرين سيكون قرنًا أفريقيًا بامتياز، إن أحسنا العمل المشترك» معناها الحقيقي.

فالمسألة ليست مجرد شعار، وإنما ترتبط بشروط واضحة: التكامل، والتصنيع، وزيادة التجارة البينية، وتحسين البنية الأساسية، وتطوير التكنولوجيا، وتوفير التمويل، ورفع قدرة الشركات الأفريقية على المنافسة، وتحويل الموارد الطبيعية من مجرد ثروات خام إلى قيمة مضافة داخل القارة.

ومن زاوية مصرية، فإن هذه الرؤية تفتح مساحة واسعة أمام الاقتصاد المصري للتحرك داخل أفريقيا، ليس فقط من خلال التبادل التجاري، وإنما من خلال الخبرات والاستثمارات والشراكات في قطاعات متعددة.

ومصر تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها حلقة وصل بين شمال أفريقيا والشرق والجنوب، كما أن امتلاكها خبرات ومؤسسات قادرة على التواصل مع الأسواق الأفريقية يمكن أن يدعم حضورها الاقتصادي داخل القارة.

ولذلك فإن الرسالة الأهم في كلمة الرئيس ربما كانت أن أفريقيا لا تحتاج فقط إلى من يتحدث عن مستقبلها، وإنما تحتاج إلى آليات عملية لصناعة هذا المستقبل.

والمنتدى، وفق هذا التصور، يحاول أن ينقل العلاقات الأفريقية من مستوى اللقاءات الرسمية إلى مستوى المصالح الاقتصادية المشتركة؛ لأن المصالح حين تتحول إلى مشروعات واستثمارات وسلاسل إنتاج وأسواق مشتركة، تصبح أكثر قدرة على الاستمرار.

وفي النهاية، فإن كلمة الرئيس السيسي في منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» يمكن قراءتها باعتبارها إعلانًا عن مرحلة تسعى فيها مصر إلى تعزيز البعد الاقتصادي في رؤيتها للعمل الأفريقي المشترك.

فالرسالة لم تكن أن أفريقيا تفتقر إلى الإمكانات بل أن التحدي يكمن في كيفية تنظيم هذه الإمكانات وربطها ببعضها البعض وتحويلها إلى قوة إنتاج وتجارة واستثمار.

ومن هنا تصبح العلمين في هذا المشهد أكثر من مجرد مدينة تستضيف منتدى؛ إنها منصة يلتقي فيها الماضي بالحاضر والمستقبل، والسياسة بالاقتصاد، والأمن بالتنمية، والدولة بالقطاع الخاص.

mayg-news@ hotmail.com

كتب بواسطة

الإعلامية دكتور ماجدة محمود عبد العال هي رئيس مجلس أمناء مؤسسة مجد مصر للإعلام والتنمية، وكبير مراسلين بالتليفزيون المصري، والمحاضر الأكاديمي بعدد من الإعلامية دكتور ماجدة محمود عبد العال هي رئيس مجلس أمناء مؤسسة مجد مصر للإعلام والتنمية، وكبير مراسلين بالتليفزيون المصري، والمحاضر الأكاديمي بعدد من ...

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *