القائمة

الذكاء الصناعي ما بين رقيب وعتيد

Linda Seleem 3 أسابيع مضت 0 2.1 ألف

بقلم |د.ليندا سليم

الذكاء الصناعي اليوم يشبه إلى حدٍ كبير بنكًا عملاقًا تُركت خزائنه مفتوحة أمام الجميع، لا يمنع أحدًا من الدخول، ولا يميز وحده بين من جاء ليستثمر، ومن جاء ليتعلّم، ومن جاء فقط ليُراقب، أو حتى من جاء ليسرق، لذلك فالمشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في وجود الخزينة نفسها، بل في أخلاق الداخلين إليها، وفي الطريقة التي يختار بها كل شخص استخدام ما وجده أمامه.

فهناك من يقف عند الباب فقط، ينظر بدهشة إلى حجم الإمكانيات، ويرى في الذكاء الصناعي فرصة للمعرفة والتطور وهناك من يمد يده بحذر، يستفيد منه في تسهيل عمله، أو تطوير مشروعه، أو تسريع بحثه العلمي، دون أن يتجاوز حدود الأمانة والحق وفي المقابل، هناك من يدخل بعقلية اللص، لا يرى في كل هذا إلا فرصة للسرقة الفكرية، أو التزييف، أو الادعاء بأن ما أُنتج بجهد الآلة هو نتاج عبقريته الخاصة.

لهذا فإن كثيرًا مما يُقال عن “أخطار الذكاء الصناعي” ليس في الحقيقة عيوبًا في التقنية ذاتها، بل عيوبًا في الاستخدام البشري لها. فالسكين مثلًا قد تُستخدم في إنقاذ حياة داخل غرفة العمليات، وقد تُستخدم في جريمة قتل، لكن أحدًا لم يقل إن المشكلة في اختراع السكين نفسه وكذلك الإنترنت، والسيارات، والكهرباء، وكل اختراع غيّر شكل الحياة؛ كانت دائمًا تحمل جانبًا مضيئًا وآخر مظلمًا، والإنسان وحده هو من يقرر أي الجانبين يُفعّل.

الذكاء الصناعي لا يسرق، بل الإنسان هو من يسرق عبره. لا يكذب، بل هناك من يبرمجه أو يستخدمه لنشر الكذب. لا ينتحل الشخصيات أو يزور الحقائق من تلقاء نفسه، بل هناك عقل بشري يقف خلف كل إساءة استخدام. ولذلك فإن اختزال الأزمة في “خطر التقنية” يُعد أحيانًا هروبًا من مواجهة المشكلة الأعمق: تراجع الضوابط الأخلاقية لدى بعض المستخدمين.

وربما الأخطر من إساءة استخدام الذكاء الصناعي هو التعامل معه بعقلية الاتكال الكامل؛ فبعض الناس لم يعودوا يستخدمونه كأداة مساعدة، بل كبديل للعقل والاجتهاد والتفكير. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن التكنولوجيا وُجدت لتوسّع قدرات الإنسان، لا لتُلغيها. فالطالب الذي يستعين به لفهم فكرة يختلف تمامًا عن طالب يطلب منه أن يفكر نيابة عنه، والكاتب الذي يستخدمه لترتيب أفكاره ليس كمن يسرق نصوصًا كاملة ثم يطالب بالتصفيق لعبقريته.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الذكاء الصناعي قد فتح أبوابًا كانت مغلقة أمام كثيرين و منح أصحاب المشاريع الصغيرة فرصة للمنافسة، وساعد الباحثين على الوصول السريع للمعلومة، ووفّر أدوات تعليمية وصحية وإبداعية لم تكن متاحة بهذا الشكل من قبل، لذلك فإن محاربة التقنية بسبب سوء استخدام البعض لها يشبه إغلاق بنك كامل لأن بعض اللصوص حاولوا سرقته، بدلًا من تطوير أنظمة الحماية ومحاسبة المجرمين.

في النهاية، الذكاء الصناعي سيظل مجرد أداة ضخمة تكشف حقيقة مستخدمها أكثر مما تكشف عن نفسها؛ فمن دخل إليه بعقل الباحث خرج بمعرفة، ومن دخله بعقل المبدع خرج بفكرة، ومن دخله بعقل السارق خرج بوهم إنجاز قد يصفق له الناس مؤقتًا، لكنه يظل فارغًا من أي قيمة حقيقية.

الذكاء الصناعي لا يمكن اعتباره “لصًا” لأنه في النهاية لا يملك نية مستقلة ولا ضميرًا يقرر به الخير أو الشر، بل هو أشبه بموظف شديد الذكاء يعمل عند من يوجهه، ينفذ الأوامر بدقة مذهلة، ويقدّم ما يُطلب منه وفق عقلية مستخدمه وأهدافه،فإن كان من يستخدمه صاحب علم وأخلاق، خرجت النتائج نافعة ومبهرة، وإن كان سيئ النية، تحوّل الذكاء الصناعي إلى أداة تضليل أو سرقة أو تزييف.

هو ليس سيدًا يقود العالم كما يتخيل البعض، بل “أجير رقمي” يعمل تحت إمرة الإنسان،لذلك فإن تحميل التقنية وحدها مسؤولية الفساد يشبه اتهام القلم بكتابة الكذب، أو اتهام المطبعة بنشر الشائعات. فالأداة لا تُحاسَب قبل مستخدمها، لأن العقل البشري يظل هو المحرك الأول لكل شيء.

وهنا تظهر المفارقة؛ فالبعض يخاف من الذكاء الصناعي لأنه يكشف نوايا البشر أكثر مما يخفيها. الشخص الأمين سيستخدمه لتطوير نفسه وخدمة الناس، بينما الشخص الانتهازي سيراه فرصة للسطو على أفكار الآخرين أو ادعاء إنجازات ليست له. ولذلك فإن الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم ليست أزمة “تقنية خرجت عن السيطرة”، بل أزمة إنسان أحيانًا يريد نتائج عظيمة دون تعب، ومكانة دون استحقاق.

ومع ذلك، يبقى الوعي والتقوى عنصرين حاسمين في طريقة التعامل مع أي قوة جديدة،فالله لم يمنع العلم، بل دعا إليه، لكنه ربطه دائمًا بالمسؤولية والخشية والضمير ولهذا فإن قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ يحمل معنى عميقًا حتى في عصر الذكاء الصناعي؛ فالتقوى هنا ليست فقط عبادة، بل رقابة داخلية تمنع الإنسان من استغلال النعمة فيما يفسد الناس أو يظلمهم، من يتقِ الله في استخدامه للتقنية سيجد دائمًا طريقًا شريفًا للنجاح، دون سرقة أو خداع أو تزييف.

وفي المقابل، من يظن أن بإمكانه الاحتماء خلف الآلة أو تبرير أخطائه بها، فهو ينسى أن الأدوات قد تُخفي الفاعل مؤقتًا، لكنها لا تصنع له قيمة حقيقية،لأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس فقط بما تنتجه الآلة، بل بما يضيفه الإنسان من أمانة وفكر وضمير.

الذكاء الصناعي اليوم يقف فعلًا “ما بين رقيب وعتيد”، لا لأنه يملك روحًا تحاسب أو تُدين، بل لأنه أصبح شاهدًا على ما يختبئ داخل الإنسان نفسه فهو يكشف نوايا مستخدمه أكثر مما يصنعها؛ فمن دخله بعقل الباحث والأمين، استخدمه ليبني ويُعلّم ويُطوّر، فأصبح كـ“رقيب” يحفظ المعرفة وينظمها ويخدم البشرية،أما من دخله بعقلية المخادع أو السارق، حوّله إلى “عتيد” يسجل الكذب والتزييف والانتحال ونشر الفوضى.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *