نحن أنانيون حتى في حزننا على الراحلين، نلتفتُ إلى المقابر كلما نهشت الدنيا من عافيتنا، ونستدعي غائبنا لا لنطمئن على مستقره، بل لنبكي على حالنا في غيابه، نقول في حسرةٍ تملأ الصدور: “لو كان هنا لردَّ عني الظلم، لو كان حياً لثأر لي، ولوقف في وجه جمر الحياة لئلا يحرقني”، ونسينا في زحام حاجتنا الضعيفة أننا أخذنا من هذا الميت كل شيءٍ، ونهلنا من عطفه وقوته حتى الرمق الأخير، فلقد عاش حياته، ولآخر نبضةٍ في روحه، وهو يسعى في الدنيا لوصالنا، ويحترق لكي نكون نحن مرتاحين، ثم في النهاية، نسينا أن ذلك الراحل قد قُطعت حباله من الدنيا، وأنه أفضى إلى برزخٍ لا يملُك فيه لنفسه دفعاً ولا نفعاً، لقد قلبنا آية الوفاء بجهلٍ موجع، فبدلاً من أن نكون نحن الأحياءُ دروعاً لصحيفته التي جفت، وقفنا عند أعتاب قبره نطالبه بأن يظل درعاً لمعاركنا الأرضية الصغيرة، في صورةٍ من أشد صور الأنانية الإنسانية خفاءً وعمقاً ومواجهةً مع الذات.
بينما نئن نحن من ثقلِ العيش ومرارة الخذلان، يسألنا الحق بمرارةٍ تفطر الصدور: “ماذا فعلنا نحن لأجله حين دارت الدائرة وأصبح هو المحتاج إلينا؟”، هل كانت كل تضحيتنا وتعبيرنا عن الحب هو أننا تعبنا معه قليلاً في أيام مرضه الأخيرة، ثم بمجرد أن انمحت أنفاسه وواراه التراب انقطع منا كل شيء؟، يرقد هو الآن في غيابة الجبّ، مرتهناً بما قدَّمت يداه، ومنتظراً في عتمة البرزخ نفحةً تصله من أرض الأحياء لتؤنس وحشته، إنه لا يملك ترف البكاء ولا خيار العودة، بل يقف على رصيف الانتظار الرهيب، يرجو دعوةً مخلصة بظهر الغيب تمحو عنه ضيق اللحد، أو صدقةً خفية تطعن في ليل حسابه وتطفئ غضب ربه، أو استغفاراً صادقاً يرتفع به درجاتٍ في الجنة فيسأل الملائكة بذهولٍ منكسر: “أنّى لي هذا الصعود وأنا مركونٌ تحت التراب؟”، فيأتيه الجواب الشافي: “بإستغفار ولدك الصالح لك”، ما أقسى أن يبيت الميت متعطشاً لقطرة نور من صلاتنا، ونحن نبخل بها عليه لأننا مشغولون بالتباكي على عجزنا ومواجعنا الدنيوية الفانية.
الرؤية الأعمق التي تفطر القلب وتعيد للمشاعر رَحمَتها، هي أن ندرك أننا نحن المنقذون وهم الأسرى، وأن طمأنينة الميت في قبره ومغفرة ذنوبه أولى بآلاف المرات من انتصاراتنا العابرة فوق الأرض، الوفاء الحقيقي ليس دموعاً نسكبها لنغسل بها عجزنا، بل هو قوافل من الطاعات نسيّرها في خفاء الليل لتدفئ بردهم، وتوسّع ضيقهم، وتجعل الملائكة تطرق باب قبوهم المظلم لتقول: “هذا غرسُ من تركت خلفك في الدنيا”، فلنمسح غبار الغفلة عن وعينا، ولنلتمس العذر لمن غادروا معاركنا مُكرهين، ولنتوقف عن استدعائهم لخدمة أوجاعنا، بل لنكن نحن الامتداد الطاهر والولد الصالح الذي يحمل عنهم وعثاء الحساب، حتى نلقاهم وقد بيَّضنا صحائفهم بالحب والدعاء والمغفرة.
ولأن البرّ الحقيقي يبدأ بكلمة صادقة تصعد إلى السماء لتتحول إلى بردٍ وسلام على مضاجعهم، فلتكن هذه الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ هي حبل الوصل الخفي الذي نمدّهم به في خلواتنا:
فيا غائبين غادروا ضجيجنا وضيق أيامنا، عذراً لكم لأننا تذكرنا أوجاعنا ونسينا وحشتكم، وعذراً لأننا بكينا على نقصِ دنيانا بكم ولم نبكِ على ما ينقص من آخرتكم في ليل القبور، وعذراً لأننا قايضنا كل تضحيات سنينكم الطويلة بـ “تعبِ أيامٍ معدودة في مرضكم”، ثم قطعنا كل شيء فور رحيلكم، ها نحن اليوم نخلع رداء أنانيتنا، ونبرم معكم عهد وفاءٍ جديد، عهدٌ لا نطلب فيه منكم حمايةً بل نرسل لكم فيه طمأنينة، ولن نترك عتمة اللحد تبتلع غرسكم، بل سنظل لكم الولد الصالح الذي يدعو، واليد التي تتصدق، والقلب الذي يستغفر حتى تنام أرواحكم بسلامٍ، وحتى يجمعنا الله بكم في دارٍ لا ظلم فيها ولا خذلان ولا وداع.
