بقلم: د. علي الدكروري
شهد العالم خلال العقود الماضية سباقًا بين الدول لجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية، وكان المعيار الأساسي للنجاح هو حجم رؤوس الأموال التي تدخل الاقتصاد. لكن أوروبا اليوم بدأت تنظر إلى الاستثمار بمنظور مختلف، يقوم على سؤال أكثر أهمية: ما القيمة التي سيضيفها هذا الاستثمار للاقتصاد الأوروبي؟
فلم يعد توفير التمويل وحده كافيًا، بل أصبح الاستثمار مطالبًا بنقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعة، وخلق وظائف ذات مهارات عالية، وتعزيز سلاسل الإمداد داخل القارة.
إنه تحول يعكس نضجًا اقتصاديًا، ويؤكد أن جودة الاستثمار أصبحت أهم من حجمه.
الاستثمار المنتج هو الاستثمار المستدام
تدرك الحكومات الأوروبية أن المنافسة العالمية لم تعد تدور حول جذب الأموال فقط، وإنما حول جذب المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.
ولهذا، أصبح التركيز يتجه نحو الاستثمارات التي تؤسس مصانع جديدة، وتدعم البحث والتطوير، وتبني مراكز هندسية وتقنية، وتربط الشركات الأجنبية بالموردين المحليين، بما يضمن بقاء القيمة الاقتصادية داخل أوروبا.
فالاستثمار الذي ينشئ سلسلة إنتاج متكاملة يحقق أثرًا اقتصاديًا أكبر بكثير من الاستثمار الذي يقتصر على نشاط تجاري أو مالي محدود.
الصناعة تعود إلى الواجهة
بعد سنوات من الاعتماد على سلاسل الإمداد العالمية، كشفت الأزمات المتلاحقة، من الجائحة إلى اضطرابات التجارة والطاقة، أهمية امتلاك قاعدة صناعية قوية داخل القارة.
ولذلك تسعى الدول الأوروبية اليوم إلى جذب صناعات استراتيجية، مثل السيارات الكهربائية، والبطاريات، وأشباه الموصلات، والصناعات الدوائية، والطاقة النظيفة.
ولا تكتفي أوروبا بجذب هذه الصناعات، بل تعمل على توطين المعرفة المرتبطة بها، حتى تصبح القارة أقل اعتمادًا على الخارج في القطاعات الحيوية.
شراكات تقوم على المصالح المتبادلة
لا يعني هذا التحول أن أوروبا أصبحت أقل انفتاحًا على الاستثمار الأجنبي، بل أصبحت أكثر حرصًا على أن تحقق هذه الاستثمارات مصالح مشتركة للطرفين.
ومن هنا تتزايد أهمية الشراكات مع دول جنوب المتوسط وأفريقيا، وفي مقدمتها مصر، التي تمتلك موقعًا استراتيجيًا، وقاعدة صناعية متنامية، واتفاقيات تجارية واسعة، تجعلها شريكًا مهمًا في بناء سلاسل إنتاج إقليمية تخدم الأسواق الأوروبية والأفريقية في الوقت نفسه.
إن العلاقة الاقتصادية الحديثة لم تعد تقوم على مفهوم المستثمر والدولة المضيفة فقط، بل على بناء منظومات إنتاج متكاملة تحقق النمو لجميع الأطراف.
المنافسة القادمة ستكون على القيمة
في المستقبل القريب، لن تتنافس الدول فقط على جذب الشركات، بل على جذب الاستثمارات التي تضيف معرفة، وتخلق ابتكارًا، وتزيد الإنتاجية، وتؤسس صناعات المستقبل.
ومن ينجح في بناء هذه البيئة سيكون أكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام، ورفع تنافسية اقتصاده، وحماية أمنه الاقتصادي.
ولهذا فإن التحول الأوروبي في فلسفة الاستثمار يستحق الدراسة، لأنه يقدم نموذجًا جديدًا يقوم على أن رأس المال وسيلة، أما الهدف فهو بناء اقتصاد أكثر قوة واستقلالًا وقدرة على المنافسة.
خلاصة الدكروري
الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال التي تعبر الحدود، بل بحجم المعرفة التي تبقى داخلها، والصناعة التي تنمو، والوظائف التي تُخلق، والقيمة المضافة التي تستمر لأجيال.
