لاهاي – كتب | المحرر السياسي
كيف استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لإسقاط واعتقال قادة دول ذات سيادة؟
في ظل تصاعد الأنباء عن مخططات أمريكية تستهدف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تعود إلى الواجهة تساؤلات جوهرية:
هل يمثل ذلك تصعيدًا غير مسبوق؟ أم أنه حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الأمريكية التي اتخذت، عبر العقود، أشكالًا متعددة وصلت في بعض الحالات إلى اختطاف رؤساء دول ونقلهم قسرًا إلى الأراضي الأمريكية؟
العودة إلى الأرشيف السياسي والعسكري تكشف أن ما يحدث اليوم في فنزويلا له سوابق واضحة، أبرزها في أمريكا اللاتينية، حيث شكّلت المنطقة لعقود ما يشبه مختبر التدخلات الأمريكية.
بنما 1989: سابقة الاختطاف العلني
في ديسمبر/كانون الأول 1989، شنّت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة ضد دولة بنما تحت اسم «القضية العادلة».
الهدف المعلن: اعتقال الزعيم البنمي مانويل نورييغا، الحليف السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).
برّرت واشنطن الغزو باتهامات:
تهريب المخدرات
تهديد الأمن القومي
تعريض قناة بنما للخطر
لكن العملية تحولت إلى غزو عسكري شامل شارك فيه أكثر من 27 ألف جندي أمريكي، وانتهت باعتقال نورييغا داخل سفارة الفاتيكان، ثم اختطافه ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته.
تقارير حقوقية مستقلة قدّرت عدد الضحايا المدنيين بالمئات، وربما الآلاف، في حين دُمّرت أحياء كاملة، أبرزها حي «إل تشوريّو»، دون أي محاسبة دولية فعلية.
النمط المتكرر: الاتهام أولًا… ثم التدخل
تفكيك الخطاب الأمريكي في حالات بنما، غرينادا، هايتي، وحتى محاولات إسقاط قادة في تشيلي وفنزويلا، يُظهر نمطًا متشابهًا:
شيطنة القائد سياسيًا وإعلاميًا
توجيه اتهامات جنائية أو أخلاقية (مخدرات، ديكتاتورية، فساد)
فرض عقوبات اقتصادية خانقة
تهيئة الرأي العام لتدخل عسكري أو أمني
تنفيذ العملية خارج إطار القانون الدولي
في حالة نورييغا، اعترفت لاحقًا شخصيات أمريكية بأن التهم القضائية كانت أداة سياسية لتبرير الغزو، لا سببًا حقيقيًا له.
فنزويلا: النفط في قلب المعركة
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، إضافة إلى احتياطيات ضخمة من الغاز والذهب.
ومنذ وصول هوغو تشافيز إلى الحكم ثم نيكولاس مادورو، خرجت كراكاس عن دائرة النفوذ الأمريكي التقليدي، ما جعلها هدفًا دائمًا للضغط والعقوبات ومحاولات تغيير النظام.
واشنطن تتهم مادورو:
بتهريب المخدرات
بانتهاك الديمقراطية
بتهديد الاستقرار الإقليمي
لكن مراقبين يرون أن السبب الحقيقي هو السيطرة على موارد الطاقة ومنع تحالفات فنزويلا مع روسيا والصين وإيران.
القانون الدولي: الغائب الدائم
وفق ميثاق الأمم المتحدة، يُعد:
غزو دولة ذات سيادة
أو اختطاف رئيس منتخب
جريمة عدوان مكتملة الأركان
ورغم ذلك، لم تُحاسَب الولايات المتحدة دوليًا في أي من هذه الحالات، ما عزّز ما يسميه خبراء القانون الدولي ” منطق الإفلات بالقوة ” .
ما يُطرح اليوم بشأن استهداف أو اختطاف الرئيس الفنزويلي ليس شائعة ولا سابقة خطيرة فحسب، بل يأتي في سياق تاريخي موثّق من التدخلات الأمريكية التي استخدمت القوة العسكرية كأداة سياسية.
