القائمة

جَدَلِيَّةُ “الأَدْنَى” وَتَعَدُّدُ المَائِدَة: سِيميَائِيَّةُ الرَّغْبَةِ بَيْنَ مِيثَاقِ العَدْلِ وَفِتْنَةِ التَّنَوُّعِ

Linda Seleem 8 ساعات مضت 0 3 ألف

بقلم د.ليندا سليم

في الفلسفة السيميائية لا تُقرأ النصوص والظواهر وفق ظاهرها الإباحي الفقهي فحسب، بل تُفكَّك باعتبارها “رموزاً ودلالات” تكشف عن طبيعة النفس البشرية وصراعها الأزلي بين سلطة الغريزة ومسؤولية الميثاق ومن هنا، تتبدى مفارقة عجيبة تجمع بين بنيتين متطابقتين في الوعي الإنساني: بنية “تعدد الزوجات” وبنية “تنوع الأطعمة”كلاهما أُبيح رحمةً وتوسعة، ولكنهما يشتركان في دافع واحد وهو غريزة التنوع، والتوسع، والملل من النمط الواحد، وكلاهما يحمل شفرة تحذيرية تُنذر بأن الاندفاع وراء شهوة التكثير يؤول حتماً إلى الخروج عن التوازن والوقوع في المحظور.

المشهد الأول: سيميائية التعدد وجناية الميل

حين منح الله الرجل حق القوامة، لم يمنحها له كامتياز سلطوي، بل كتكليف وجودي لإقامة ميزان العدل وحفظ الاستقرار ومع إباحة التعدد، وضع النص القرآني علامة سيميائية صارخة وإعجازية تقيد هذا الاندفاع الغريزي وتكشف عجز الإنسان، حيث يقول تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.

هنا تكمن المفارقة المعرفية؛ فالرجل يدرك يقيناً، بتوثيق نصي قاطع لا يقبل التأويل، أن العدل المطلق (القلبي والطبائعي) مستحيل فوق طاقته البشرية، ومع ذلك يدثّر رغبته بعباءة “المباح” ليمضي نحو التعدد مدفوعاً بوهم القدرة، إن السلوك الإنساني هنا يتجاوز الإشارة التحذيرية الصريحة ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا﴾، ليجد الرجل نفسه غالباً قد اخترق “الميثاق الغليظ” (الشرعي) القائم على عدم الميل، ليقع في إثم التفرقة وجناية الظلم، فتحول القوامة من حصن أمان إلى حجة تلاحقه وتشتت أسرة كانت مستقرة.

المشهد الثاني: المائدة المتلونة وشهوة استبدال الخير

على الجانب الآخر من مرآة الوعي الإنساني، تقف مائدة الطعام لتشهد على ذات النزوع البشري نحو التعدد والتنوع كبديل للأصالة والاستقرار،ففي قصة بني اسرائيل، حين ملّت نفوسهم النعمة الصافية والمنظومة الغذائية النقية المتمثلة في (المن والسلوى)، وحركتهم شهوة البدن والعين نحو التلوين والتكثير، طالبوا بمائدة الأضداد كما ورد في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.

جاء الرد الإلهي مستنكراً ومفككاً لطبيعة هذا الخيار البشري: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

ورغم أن الله أباح الفواكه والأنعام والبقول والثوم والبصل رحمة بالإنسان، إلا أن النص وضع دلالة سيميائية واضحة تصنف هذا النزوع بالتوق نحو “الأدنى”، فالإنسان يلاحق شهوة بطنه وعينه متجاهلاً أن التعدد العشوائي على المائدة يخترق “الميثاق البيولوجي والصحي” لجسده؛ فكثرة تنوع الطعام وخلطه يربك الجهاز الهضمي، ويفسد البدن، ويؤدي إلى المرض والوهن، مستبدلاً سلامة البدن النقي بمتعة عابرة متلونة.

اما عن حكمة النص وعجز الإنسان

تُظهر لنا هذه القراءة المتكاملة أن الإباحة في التشريع الإلهي ليست دائماً ندباً أو تشجيعاً على الفعل، بل هي أحياناً “مساحة اختبار” لمدى رشد الإنسان وسيطرته على نزواته.

وإن الإنسان الذي يدرك بالقرآن أنه لن يعدل ومع ذلك يعدد، والإنسان الذي يعلم بالطب والقرآن أن كثرة الألوان تؤذي المعدة وتمرضها ومع ذلك يملأ مائدته بالأضداد؛ كلاهما يمارس ذات السلوك المعرفي: تقديم متعة اللحظة الملونة والمتعددة على سلامة العاقبة المستقرة. لقد أباح الله لنا الطيبات من النساء والطعام، لكنه ترك لعقولنا إدراك أن “القدرة على الشيء لا تعني ضرورة فعله”، وأن الشبع الوجودي الحقيقي سواء كان شبعاً عاطفياً أو جسدياً يكمن في الجودة والعدل والخير، لا في التشتت وملاحقة التنوع الذي يخرج بالإنسان عن مواثيقه الشرعية والصحية.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *