ماجدة محمود … تكتب
لا يتعامل بوب براير في كتابه السحر في مصر القديمة مع السحر بوصفه خرافة أو ممارسة هامشية بل يقدّمه كأحد الأعمدة الأساسية التي قام عليها الوعي الديني والاجتماعي للمصري القديم. السحر هنا ليس نقيضا للدين أو العلم بل أداة لفهم العالم والتفاعل معه والسيطرة على ما فيه من قوى مرئية وغير مرئية.
ينطلق براير من فكرة أن السحر كان لغة يومية يعيشها المصري القديم في تفاصيل حياته البسيطة قبل طقوس المعابد الكبرى. التعويذة لم تكن مجرد كلمات بل قوة فاعلة تؤثر في الواقع. الكلمة المكتوبة والمنطوقة كانت تحمل طاقة قادرة على الحماية والشفاء وجلب الخير ودفع الشر. ومن هنا نفهم لماذا امتلأت الجدران والبرديات بالنصوص السحرية ولماذا كان الكاتب يحظى بمكانة خاصة في المجتمع.
يحلل الكتاب العلاقة الوثيقة بين السحر والدين دون أن يفصل بينهما. الآلهة لم تكن بعيدة عن الممارسات السحرية بل كانت جزءا منها. استدعاء القوى الإلهية لم يكن دعاء فقط بل فعل سحري قائم على المعرفة الصحيحة بالأسماء والرموز. هذا الفهم يكشف عن عقلية ترى الكون شبكة من العلاقات يمكن التأثير فيها عبر الطقس والمعرفة لا عبر الصدفة.
ومن أهم ما يميّز الكتاب تركيزه على الحياة اليومية. السحر حاضر في حماية الأطفال وفي الطب وفي الحب وفي الخوف من المرض والموت. الأدوات بسيطة لكن المعنى عميق. تمائم وأحجار ورسومات تتحول في تحليل براير إلى مفاتيح لفهم نفسية الإنسان المصري الذي كان يسعى إلى الطمأنينة وسط عالم مليء بالمخاطر.
لا يغفل براير الجانب العملي للسحر بل يربطه بالطب والعلاج. الوصفة الطبية كانت غالبا مزيجا من علاج جسدي وتعويذة سحرية. هذا التداخل لا يعكس جهلا بل رؤية شاملة ترى الإنسان وحدة متكاملة من جسد وروح. ومن هنا يظهر السحر كوسيلة تنظيم للعالم لا كهروب من الواقع.
في النهاية يقدّم كتاب السحر في مصر القديمة قراءة مختلفة لحضارة فهمت القوة والمعرفة بطريقة مغايرة للمنظور الحديث. الكتاب لا يشرح طقوسا قديمة فقط بل يفتح بابا لفهم إنسان آمن بأن الكلمة يمكن أن تشفي وأن الرمز يمكن أن يحمي وأن التوازن بين المرئي والخفي هو سر البقاء. هذه الرؤية تجعل السحر المصري القديم تجربة فكرية وإنسانية ما زالت قادرة على إثارة الدهشة وإعادة التفكير في معنى القوة والمعرفة حتى اليوم
magy-news@hotmail.com
