القائمة

رعشة روووح

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 9.1 ألف

بقلم د.ليندا سليم

هناك لحظات لا يبكي فيها الإنسان، ولا يصرخ، ولا ينهار، ومع ذلك يكون قد وصل إلى أقصى درجات التعب.

لحظات يشعر فيها أن شيئًا ما بداخله يرتجف بصمت.

لا هو حزن واضح يمكن تسميته، ولا مرض يمكن علاجه، ولا أزمة محددة يمكن الإشارة إليها.

إنها رعشة الروح.

تلك الرعشة التي تصيب الإنسان حين يحمل أكثر مما ينبغي، ويشغل قلبه بأكثر مما يحتمل.

بعض الناس يعيشون حياتهم داخل حدود أنفسهم، وهذا حقهم.

أما آخرون فقد خُلقت قلوبهم على اتساع مختلف.

ينشغلون بأهلهم، وأصدقائهم، وأبنائهم، وجيرانهم، ثم يمتد انشغالهم إلى المجتمع والوطن والعالم.

يتألمون لما يسمعون، ويتفاعلون مع ما يرون، ويحملون في داخلهم من الهموم ما لا يخصهم مباشرة، لكنه يخص إنسانيتهم.

ومع الأيام تتراكم الأحمال.

ليس حملًا واحدًا يمكن مقاومته، بل مئات الأحمال الصغيرة التي تتسلل إلى الروح دون أن نشعر.

خبر يحزنك.

ومشكلة عائلية تستنزفك.

وصديق يحتاج دعمك.

وواقع عام يربكك.

وأحلام مؤجلة تنتظر دورها.

ثم تستيقظ كل صباح وكأنك مطالب بحمل العالم فوق كتفيك، بينما بالكاد تستطيع حمل نفسك.

والأصعب من كل ذلك أن الذين حولك لا يرون هذا الحمل دائمًا.

يرونك حاضرًا، فيظنون أنك بخير.

يرونك صامتًا، فيظنون أنك متكبر.

يرونك معتذرًا عن لقاء أو زيارة، فيظنون أنك لا تقدر مشاعرهم.

بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.

فأنت لا ترفضهم.

أنت فقط تحاول أن تنقذ ما تبقى من طاقتك لمهام انت حي لتنجزها فإن مت لم ينفذها أحد لاجلك، كمهامك نحو ابناؤك .

والمؤلم أن كثيرًا من الناس يحبوننا بالطريقة التي تناسبهم هم، لا بالطريقة التي تناسبنا نحن.

يختارون الوقت الذي يريدون فيه الحديث.

واللحظة التي يريدون فيها المشاركة.

والطريقة التي يريدون بها التعبير عن محبتهم.

فإذا لم نكن مستعدين لاستقبال كل ذلك، شعروا بخيبة الأمل.

وقد يتهموننا بالجفاء أو التقصير أو قلة التقدير.

ولا ينتبه أحد أن القلب المرهق لا يرفض الحب، بل يعجز أحيانًا عن مجاراة متطلباته.

فليس كل اعتذار رفضًا.

وليس كل صمت برودًا.

وليس كل انسحاب قسوة.

أحيانًا يكون الإنسان قد استنزف كل ما لديه من قدرة على التفاعل، ويحتاج فقط إلى بعض السكون.

بعض الأرواح لا تحتاج نصيحة.

ولا تحتاج لومًا.

ولا تحتاج مزيدًا من المطالب.

كل ما تحتاجه أن تجد من يفهم أن التعب ليس دائمًا مرئيًا.

وأن هناك معارك تُخاض في الداخل دون صوت.

وأن الروح، مثل الجسد تمامًا، لها لحظات وهن وضعف واحتياج.

لهذا ربما يكون من الرحمة أن نسأل من نحبهم سؤالًا مختلفًا:

ليس ماذا نريد أن نقدم لهم؟

بل ماذا يحتاجون منا الآن؟

فقد تكون أعظم هدية نقدمها لإنسان نحبه هي أن نترك له مساحة يلتقط فيها أنفاسه دون شعور بالذنب.

وحين يجد القلب هذه المساحة، تهدأ الرعشة شيئًا فشيئًا.

ليس لأن العالم أصبح أفضل.

ولا لأن الهموم اختفت.

بل لأن الروح أخيرًا وجدت من يرفق بها قبل أن تنكسر تماما.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *